فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 275

وحريّ أن نبحث هذين الافتراضين الأخيرين، فالافتراض الأول أن يكون القرآن اكتسبه النبي من آخرين، واكتتبه من غيره من الناس، وهذا الافتراض سيحملنا على التطواف في مناطق كثيرة جغرافية وثقافية ودينية، ترى من أين اكتسب هذا القرآن؟ من أي بيئة من هذه البيئات الثلاث التي أشرنا إليها؟ ولعل أول ما يقع في النفس ويخطر في البال أن يكون المجتمع الذي عاش فيه النبي هو المصدر لهذا القرآن، فإن لم يكن، فهناك احتمال آخر وهو: أن يكون هذا القرآن مكتسبا من بعض اليهود والنصارى الذين هيئت لهم فرص العمل في المجتمع المكي. وهناك احتمال ثالث يقول: لم لم تكن التوراة والإنجيل الأساس لهذا القرآن؟ فإذا خرجنا من هذه البيئة جغرافيا، وجدنا احتمالا رابعا يدّعي: أن الرسول أفاد هذا القرآن في كثير من نصوصه وقضاياه من تلك الرحلات التي كان يقوم بها تجاريا إلى الشام مرة وإلى اليمن أخرى، وقد كان هناك نصارى في هذين البلدين. وهناك احتمال خامس يدّعي: أنّ هذا القرآن

تأثر ببيئة ثقافية أخرى، وهي البيئة الشرقية، فأخذ من الزرادشتية أو الصابئة كثيرا من قضاياه وأحكامه، وهذه الافتراضات كلها في مكة بالطبع.

أما في المدينة فلماذا لا يكون القرآن قد تأثر في كثير من تشريعاته بما أخذه عن اليهود هناك، وهذا الاحتمال يبرهن عليه مدّعوه بأن هنالك قضايا كثيرة سواء منها ما يتصل بالأحكام والتشريعات، أم بشخصية الرسول قد طرأ عليها تغير ملموس محسوس في المدينة.

تلك هي الاحتمالات الناشئة عن هذا الفرض وهو أن القرآن اكتتبه النبي واكتسبه من غيره وسنجد أن العرب في جاهليتهم يلتقون مع المستشرقين، وربما كان العكس أكثر صحة، وهو أنّ هؤلاء المستشرقين رغم ثقافاتهم يلتقون مع العرب الذين ناصبوا القرآن العداء، إلا أنه والحق يقال رغم أن هؤلاء المستشرقين أكثر ثقافة، فإن هؤلاء العرب في جاهليتهم كانوا أكثر دقة وإنصافا.

وعلى سبيل المثال، فلقد كان العرب وهم الذين يعايشون النبي الكريم، يعرفون عنه أكثر مما يعرفه المستشرقون والمبشرون، ولقد نقل القرآن لنا بأمانة ما قالوه، {وَقََالُوا أَسََاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهََا فَهِيَ تُمْلى ََ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كََانَ غَفُورًا رَحِيمًا} (6) [الفرقان: 65] هكذا قالوا: «اكتتبها» ولم يقولوا: «كتبها» ، وما أعظم الفرق بين الكلمتين، فاكتتبها تعني أنه طلب من غيره أن يكتبها له، وكتبها ليست كذلك. هذا ما قاله العرب في جاهليتهم.

أما ما قاله كثير من المستشرقين فكان بعيدا عن الواقع، فلقد قالوا إن النبي هو الذي كان يكتب هذه القضايا، وحاولوا أن يثبتوا ذلك، فزعموا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يكتب، واستدلوا لذلك بما كان في مرضه عليه الصلاة والسلام، حينما طلب أن يكتب للمسلمين كتابا، وهذا منطق غريب إن جاز أن نسميه منطقا، فنحن نعلم أن الرؤساء ومن ماثلهم لا يتولون الكتابة بأنفسهم، فضلا عن أن

النبي صلّى الله عليه وسلّم كان في مرض يعيقه في كثير من الأحيان حتى عن أن يؤدي الصلاة إماما للمسلمين، ولكن المستشرقين يأبون إلا أن يذكروا كل ما يجول في خواطرهم، ويوحي به بعضهم إلى بعض، ولنرجع إلى هذه الاحتمالات التي تحدثنا عنها من قبل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت