فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 275

كما يعتقد المسلمون أنّه لا توجد أيّ وسائط بين الله والخلق الذين أوجدهم الله بأمره المحض «كن» . والله وفقا لعقيدة المسلمين لا يحلّ في شيء على الرغم من وجوده في كلّ مكان، فهو قيّوم الكون وخالقه الوحيد، وكلّ مخلوق من مخلوقات هذا الكون يشهد بوحدانيته وربوبيته، ولكن الله عادل ورحيم، فعدله يضمن النظام في الخلق حيث لا يوجد أي شيء في غير محلّه بينما رحمته لا حدّ لها فهي تسع كلّ شيء. وينظر المسلمون إلى خلق الله للكون وإحكام صنعه فيه على أنّه نابع من رحمته الأصلية وبسبب هذه الرحمة نجد أنّ كلّ شيء يسبّح بحمده. ثمّ إنّ إله القرآن الذي يوصف بالجلال والهيمنة على خلقه إله شخصيّ أيضا فهو أقرب للإنسان من حبل الوريد، كما أنّه يجيب المضطر أو المحتاج إذا دعياه، وهو فوق ذلك كلّه إله الهداية الذي يهدي كلّ شيء وخاصّة الإنسان الى الطريق الأقوم، أو «الصراط المستقيم» .

على أنّ صورة الإله الذي تتداخل فيه صفات القدرة والعدل والرحمة تمتّ بصلة للتراث اليهودي المسيحي الذي استمدّت منه مع بعض التعديلات كما أنّها تمتّ بصلة لبعض تصوّرات الجزيرة العربية في العصر الجاهلي والتي ردّت عليها ردّا فعّالا. فقد كان عرب الجاهلية يؤمنون إيمانا أعمى بقدر حتميّ ليس للإنسان فيه أيّ تحكّم، فجاء القرآن واستبدل هذا القدر الجبّار والخالي من المعنى بإله جبّار ولكنّه يتصف بالرحمة والحكمة. وقد عمل القرآن، محمولا بتوحيده الذي لا يساوم، على شجب كلّ أنواع الوثنية، كما قضى على كلّ الأرباب والآلهة التي كان العرب يعبدونها في أحرامهم، وأهمّ هذه الأحرام الحرم المكّي في مكّة نفسها.

الكون:

يركّز القرآن مرارا على نظام الكون وصنعه للدلالة على وجود الله، فالطبيعة خالية من الفطور أو العطب. ويفسّر هذا النظام من حيث أنّ كلّ مخلوق من

المخلوقات قد منح طبيعة معرّفة ومحدّدة تجعله ينساب في نسق معيّن. وهذه الطبيعة تفرض حدودا أيضا على الرغم من أنّها تسمح لكل مخلوق من المخلوقات بتأدية وظيفته ضمن كلّ أكبر. وفكرة محدودية كلّ شيء من أكثر النقاط ثباتا في اللاهوت وأصل الكون كما هي مثبتة في القرآن. وعليه فإنّ الكون يرى وكأنّه مستقلّ بذاته، بمعنى أنّ كلّ شيء له قوانين تصرّف ذاتية ولكن من دون أن تكون مطلقة، وذلك لأنّ أنساق التصرّف من منح الله، وهي علاوة على ذلك محدودة {إِنََّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنََاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] . وهكذا فإنّ كلّ مخلوق من المخلوقات محدود وله قدر معين وهو بالتالي يعتمد على الله. إنّ الله وحده هو الذي يحكم في السماء والأرض دون منافسة، وهو وحده الذي يتعالى عن المحدودية، الغنيّ الصّمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت