إن تناسق الموضوعات في كل سورة من سور القرآن قضية مدهشة حقا، وبخاصة إذا عرفنا أن سور القرآن نزلت نجوما متفرقة، فسورة البقرة نزلت في عشرة سنين، فاستوعبت الزمن المدني كله، حتى كثير من السور القصيرة كان بين الجزء والجزء الآخر منها أعوام عديدة، ومع ذلك حينما ننظر في السورة نجدها تكوّن وحدة موضوعية، متصلة الأجزاء محكمة الحلقات، وهذه ميزة يتفرد بها القرآن الكريم وحده.
ولعل من الصعوبة هنا أن نقوم بدراسة عملية ميدانية لبعض السور لنثبت هذه الحقيقة، ولكن من الإنصاف أن لا نتعجل حكما ما، قبل أن نلمّ بجميع أطرافه، وهذا الذي كنا نوده من دائرة المعارف. ولكثير من الأئمة جهود مشكورة، نذكر منها ما قام به الدكتور محمد عبد الله دراز في تحليل سورة البقرة وبيان الاتساق بين أجزائها وما فيها من وحدة الموضوعية في كتابه «النبأ العظيم» ، ولقد عقدت فصلا في كتابي «إعجاز القرآن» درست فيه عدة سور من القرآن الكريم على هذا الأساس، وخلصت إلى ما فيها من نظام بديع ووحدة تامة، وهذه السور كان بعضها مكيا وبعضها مدنيا، وما ذلك إلا لندرك أن القرآن مكيّه ومدنيّه سواء.
يقصد بالفاصلة القرآنية ذلك اللفظ الذي ختمت به الآية، فكما سموا ما ختم به بيت الشعر قافية أطلقوا على ما ختمت به الآية الكريمة فاصلة.
وقد ذكر الجاحظ في «البيان والتبيين» (2: 269) : «حدثوا أن رجلا في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله غفور رحيم، فقال أعرابي: لا يكون، وفي رواية أخرى أنه قال: إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم، لا يذكر الغفران عند الزلل، لأنه إغراء عليه» .