وروي أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ: {وَحَمَلْنََاهُ عَلى ََ ذََاتِ أَلْوََاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنََا جَزََاءً لِمَنْ كََانَ كُفِرَ} (14) بفتح الكاف، فقال الأعرابي: لا يكون، فقرأها عليه بضم الكاف وكسر الفاء [1] ، فقال الأعرابي: يكون [2] .
هذا ما ذكره الأعرابي بطبعه وسليقته وسجيته، ولكننا وجدنا أناسا في القرن العشرين، وقفوا غير هذا الموقف، نحن لا ننكر على الناس أن لا يعلموا كل شيء، ولكننا ننكر أن يدّعوا علم كل شيء، نحن لا نعجب ولا نستهجن أن يردّ الحق خصوم ألدّاء عرفوا بتعصبهم وتحيزهم، نحن لن نفاجئ إن سمعنا من مبشر حاقد، أو مستشرق جاحد، إن سمعنا من هذا أو ذاك طعنا على كتاب الله ودين الله، لكن الذي كنت لا أوده أنا وأنت أيها القارئ معا أن نجد مصدرا من مصادر المعرفة طالما روّج له أصحابه وأحاطوه بهالات فخمة من الإجلال والتبجيل، وسوروه بأسوار البحث العلمي والنزاهة، وألبسوه لباس الحقيقة، بل عدوه حصنا من حصون المعرفة، أن نجد من وصفوه بهذه الصفات بعيدا عن ذلك كله، بل هو فوق ذلك ممعن في الافتراء، بعيد عن النزاهة في البحث، مناف لقواعد العدل وأسس المنطق تلك هي دائرة المعارف البريطانية، التي استدلت كما عرفت على أن القرآن مجرد إنشاء جاء بطريقة عشوائية، استدلت على هذه الدعوى بالفواصل القرآنية، حيث جاء فيها: «وكان القرآن يعطي للقارئ انطباعا بأنه مجرد إنشاء جاء بطريقة عشوائية، ويؤكد صحة ذلك طريقة ختم هذه الآيات، بآيات مثل: {إِنَّ اللََّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ،} {إِنَّ اللََّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ،}
(1) قال الزمخشري: (كفر) هو نوح عليه السّلام، وجعله مكفورا لأن النبي نعمة مكفورة.
قال الله تعالى: {وَمََا أَرْسَلْنََاكَ إِلََّا رَحْمَةً لِلْعََالَمِينَ} (107) [الأنبياء: 107] ، فنوح عليه السّلام نعمة مكفورة. ومن هذا المعنى يحكى أن رجلا قال للرشيد: الحمد لله عليك، فقال:
ما معنى هذا الكلام؟ قال: أنت نعمة حمدت الله عليها. «الكشاف» (4: 435) .
(2) «البيان والتبيين» (3: 174) .