هذا نوع من الفواصل القرآنية الأمر فيه ظاهر كما قلت، وهناك نوع آخر بحاجة إلى نوع من الفكر، وسيجد الفكر فيه ضالته، وكلا النوعين من مظاهر الإعجاز وآيات البيان. ولنمثل لك من النوع الثاني بما يسمح به المقام، ولا نود أن نطيل عليك:
(1) اقرأ هاتين الآيتين من سورة السجدة: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنََا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسََاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ أَفَلََا يَسْمَعُونَ (26) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنََّا نَسُوقُ الْمََاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعََامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلََا يُبْصِرُونَ،} (27) ولن يحتاج منك الأمر إلى كثير تأمل تحدثت الآية الأولى عن القرون المهلكة من قبل هؤلاء، هو حديث عن التاريخ إذن، وتحدثت الآية الثانية عما يشاهدونه على هذه الأرض كيف ينزل عليها الماء فتنبت الزرع، متاعا لهم ولأنعامهم، وأمر التاريخ لا ريب يسمع سماعا، ولكن ما يشاهدونه يبصرونه إبصارا، قل لي بربك: أي دقة تلك التي في الآيتين الكريمتين! {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعََالَمِينَ.}
(2) في سورة العنكبوت نقرأ هذه الآيات: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللََّهِ أَوْلِيََاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ} (41) وبعد هذه الآية نقرأ قول الله: {وَتِلْكَ الْأَمْثََالُ نَضْرِبُهََا لِلنََّاسِ وَمََا يَعْقِلُهََا إِلَّا الْعََالِمُونَ،} (43) وفكّر فيما عرفه الناس من أمر العنكبوت اليوم، من حيث قوة خيوطه، ومن حيث الفوضى الأسرية إن صحّ التعبير والتمزق العائلي وعدم النظام، فلقد قالوا إن خيوط العنكبوت أقوى من خيوط الحرير، ولكن الفوضى تدب في بيته، فربما أكلت الأنثى زوجها، وبالتالي فالفوضى التي تدب في بيت العنكبوت لا مثيل لها البتة في بيت آخر، إلا أن تكون في أمتنا العنكبوتية في عصرها الحاضر لا في عصورها الماضية، أليس ذلك يحتاج إلى علم {لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ،}
{وَمََا يَعْقِلُهََا إِلَّا الْعََالِمُونَ،} (43) فانظر كيف ختمت الفاصلة بذكر العالمين، لأن قضية العنكبوت لا يدركها إلا أولئك.