(2) في سورة العنكبوت نقرأ هذه الآيات: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللََّهِ أَوْلِيََاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ} (41) وبعد هذه الآية نقرأ قول الله: {وَتِلْكَ الْأَمْثََالُ نَضْرِبُهََا لِلنََّاسِ وَمََا يَعْقِلُهََا إِلَّا الْعََالِمُونَ،} (43) وفكّر فيما عرفه الناس من أمر العنكبوت اليوم، من حيث قوة خيوطه، ومن حيث الفوضى الأسرية إن صحّ التعبير والتمزق العائلي وعدم النظام، فلقد قالوا إن خيوط العنكبوت أقوى من خيوط الحرير، ولكن الفوضى تدب في بيته، فربما أكلت الأنثى زوجها، وبالتالي فالفوضى التي تدب في بيت العنكبوت لا مثيل لها البتة في بيت آخر، إلا أن تكون في أمتنا العنكبوتية في عصرها الحاضر لا في عصورها الماضية، أليس ذلك يحتاج إلى علم {لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ،}
{وَمََا يَعْقِلُهََا إِلَّا الْعََالِمُونَ،} (43) فانظر كيف ختمت الفاصلة بذكر العالمين، لأن قضية العنكبوت لا يدركها إلا أولئك.
(3) واقرأ هاتين الآيتين في سورة المائدة {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللََّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثََاقَهُ الَّذِي وََاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنََا وَأَطَعْنََا وَاتَّقُوا اللََّهَ إِنَّ اللََّهَ عَلِيمٌ بِذََاتِ الصُّدُورِ (7) يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوََّامِينَ لِلََّهِ شُهَدََاءَ بِالْقِسْطِ وَلََا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ََ أَلََّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ََ وَاتَّقُوا اللََّهَ إِنَّ اللََّهَ خَبِيرٌ بِمََا تَعْمَلُونَ} (8) [المائدة: 87] .
تحدثت الآية الأولى عن الميثاق الذي أخذه الله عليهم، وهو أن يتقوه ويعبدوه، وتلك قضية خاصة بكل فرد، ترجع إلى ما في قلبه وإلى باطنه، ولذا ختمت {إِنَّ اللََّهَ عَلِيمٌ بِذََاتِ الصُّدُورِ.} أما الثانية فقد أمر فيها المؤمنين بالعدل مع أعدائهم، وتلك قضية ظاهرة يطلع عليها الناس، ولذا ختمت بقوله: {خَبِيرٌ بِمََا تَعْمَلُونَ.}
(4) ولقد نبه الزمخشري وغيره من الأئمة، إلى ما في قوله سبحانه {وَإِذََا قِيلَ لَهُمْ لََا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قََالُوا إِنَّمََا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلََا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلََكِنْ لََا يَشْعُرُونَ} (12) [البقرة: 1211] ، {وَإِذََا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمََا آمَنَ النََّاسُ قََالُوا أَنُؤْمِنُ كَمََا آمَنَ السُّفَهََاءُ أَلََا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهََاءُ وَلََكِنْ لََا يَعْلَمُونَ} (13) فلما كانت الآية الأولى تتحدث عن الفساد في الأرض، وتلك قضية تتعلق بالحواس الظاهرة، ختمت بقوله: {وَلََكِنْ لََا يَشْعُرُونَ} لأن المشاعر هي الحواس، ولما كانت القضية الثانية تتعلق بالسفه، وهو الجهل، ناسب أن تختم بالعلم.
قال الزمخشري رحمه الله: «فإن قلت: فلم فصلت هذه الآية ب {لََا يَعْلَمُونَ} والتي قبلها ب {لََا يَشْعُرُونَ؟} قلت لأنّ أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحق، وهم على الباطل، يحتاج إلى نظر واستدلال حتى
يكتسب الناظر المعرفة، وأما النفاق وما فيه من البغي المؤدّي إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دنيوي مبني على العادات، معلوم عند الناس، خصوصا عند العرب في جاهليتهم وما كان قائما بينهم من التغاير والتناحر والتحارب والتحازب، فهو كالمحسّ المشاهد ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل، فكان ذكر العلم معه أحسن طباقا له، مساق هذه الآية نجد ما سيقت له أوّل قصة المنافقين، فليس بتكرير، لأن تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان ما كانوا يعملون عليه من المؤمنين من التكذيب لهم والاستهزاء بهم ولقائهم بوجوه المصادقين وإيهامهم أنهم معهم، فإذا فارقوهم إلى شطار دينهم صدقوهم ما في قلوبهم» (1) .