فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 275

لقد شغلت هذه القضية علماء المسلمين ابتداء من عصر الصحابة رضوان الله عليهم، ولا عجب في ذلك أن يخصّوها بجهد عظيم وبحث جاد لأنها تتصل اتصالا مباشرا بأقدس كتاب حرص المسلمون أن يدفعوا عنه كل شبهة، ولكن بحثهم لم يكن مبنيا على العاطفة الجامحة الهوجاء، إنما كان مبنيا على أسس من المنطق العقلي والدليل النقلي، وهذه سمة البحث الدقيق عند المسلمين في جميع مقرراتهم ويمكن أن نلخصها في هذه الجملة القصيرة: «إن كنت ناقلا فالصحة أو مدعيا فالدليل» ، ومعنى هذه العبارة القصيرة: إن كان الذي تريد تقريره وذكره قضية تتعلق بالسماع والنقل، فلا بد أن يكون نقلك صحيحا، ومعنى صحة النقل: أن تكون الرواية التي تريد نقلها خاضعة للدراسة المنهجية وهي عدالة وثقة أولئك الذين نقلت عنهم هذه الرواية على اختلاف طبقاتهم وأزمنتهم، وهذا هو المنهج الذي اتبعه المسلمون، وهو منهج خاضع لقواعد نقدية، ومنهج قويم سيظل مجال فخر للمسلمين، وسيظل أرقى وأقوم مما يمكن أن تصل إليه المناهج العلمية الحديثة. أما إذا كان الذي نريد تقريره أمرا عقليا، وقضية فكرية فلا بد من أن نقيم عليها الدليل الواضح، والبرهان

الساطع، والحجة المقنعة، هذه هي العبارة الموجزة للمنهج الإسلامي في مقرراته النقلية والعقلية: (إن كنت ناقلا فالصحة أو مدعيا فالدليل) .

وعلى هذا الأساس كانت عناية المسلمين بترتيب القرآن، كانوا يعتمدون على الروايات، ولكن بعد نخالتها وتمييز غثها من سمينها، فيذهب الزبد جفاء، ويطرح الضعيف والموضوع، وتؤخذ الرواية الصحيحة التي تثبت بعد درس وتمحيص.

ولقد بذل المسلمون هذه المحاولات في أحاديث الرسول الكريم عليه وآله الصلاة والسلام، فكيف إذا كانت هذه الروايات تتصل بكتاب الله، إنها أكثر خطرا وأعظم حاجة لزيادة البحث والاستقصاء.

أسباب خطأ المستشرقين:

ولكن المستشرقين وقد اعتمدوا في كثير مما قرروه على جهود علماء المسلمين السابقين كانت لهم أخطاؤهم التي تنشأ عن عدم التمييز بين الروايات تارة والجهل باللغة تارة أخرى، أو عن أهداف نفسية ودينية تارة ثالثة، والمستشرقون مدينون في هذا الترتيب لنولدكه الذي أفاد كثيرا في ترتيبه [1] من أبي القاسم عمر بن محمد بن عبد الكافي [2] .

يقول الدكتور عبد الصبور شاهين:

«وآفة المستشرقين أنهم يسوقون مجرد الاحتمالات العقلية مساق الحقائق المسلمة، ويقيسون الماضي الذي لم يكن جزءا من تاريخهم، وبالتالي لم يكن من مكونات ضمائرهم بمقياس حاضرهم مع تباين المكان، والزمان، والعقلية

(1) «تاريخ القرآن» بالألمانية.

(2) «تاريخ القرآن» للزنجاني ص 92.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت