فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 275

وبعد وفاة النبي، وخاصة بعد معركة اليمامة (633م) التي توفي فيها عدد كبير من حفّاظ القرآن، خشي المسلمون من اندثار العلم بالقرآن، وتجنبا لمثل هذه العاقبة قرروا جمع كلمات الوحي من كلّ المصادر المكتوبة ومن «صدور الرجال» كما تذهب إلى ذلك الرواية الإسلامية، ويقال أن زيد بن ثابت أحد أصحاب النبيّ قد نسخ على الورق كلّ ما تسنّى له إيجاده وسلّمه إلى الخليفة عمر، وبعد وفاة عمر بقيت النسخة عند ابنته حفصة، ويبدو أنّ نسخا من القرآن قد كتبت في مرحلة لاحقة واستعملت روايات مختلفة للقرآن في مناطق مختلفة من الإمبراطورية الإسلامية، واجتنابا منه لأيّ قراءة غير صحيحة للقرآن قام الخليفة عثمان (656644م) بتكليف زيد بن ثابت وبعض العلماء الآخرين

بمراجعة القرآن مستعينين بذلك بورقات حفصة ومقابلته على أيّ مواد متوفرة مع استشارة أولئك الذين كانوا يحفظون القرآن عن ظهر غيب، وفي حالة الشك حول نطق أيّ كلمة فقد تمّ الاتفاق على تفضيل لهجة قريش، وهي قبيلة النبيّ، وهكذا تمّ إقامة نصّ موثوق به للقرآن (وهو ما يعرف بالمصحف العثماني) .

وقد تكون هذه الروايات معدّلة ومغيّرة إلى حدّ ما حتى تتوافق مع بعض النظريات العقدية المتعلّقة بالقرآن، ولكنّها في عمومها تعكس الحقيقة التاريخية، إذ من الواضح أنّ وصف طريقة الوحي قد بسّط بنحو ما، فالقرآن نفسه يصرّح أنّ الله كلّم محمّدا: {وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مََا يَشََاءُ} [الشورى: 5250] ، الكلمة الأولى «وحيا» تعني «إيعازا» أو «إلهاما» من النوع الذي يعرفه كثير من الشعراء كما يستعمل القرآن كلمة تعني «أنزل» . وأمّا الكلمة الثانية فيبدو أنّها تلمّح إلى نوع من التعبير التخيلي الذي لا ترافقه أيّة رؤية، والكلمة الأخيرة فقط هي التي تشير إلى ملك ولكن من دون ذكر اسم جبرائيل.

ب آراء غير المسلمين:

إنّ التاريخ الزمني للسور مشكلة أثارت كثيرا من النّقاش، وأمّا الروايات المتوفرة حول أسباب النزول فلا يمكن دائما التحكّم فيها، وقد تكون أو لا تكون ثابتة، وقد استعمل الباحثون الأوروبيون معايير الأسلوب والمحتويات لتحديد الترتيب النسبي للسور أو لبعض منها، ومنذ أن نشر ثيودور نولدكه كتابه «تاريخ القرآن» (1860م) أصبح من المعتاد تقسيم السور إلى أربع مجموعات مستمدة من ثلاث مراحل زمنية مكية وأخرى مدنية، والعرض السابق لمحتويات القرآن يتبع تقريبا هذا الترتيب.

ويعتقد المسلمون أنّ محمّدا قد تلقّى من الله مباشرة كلّ كلمة من القرآن، فالقرآن يصف ويشجب الاتهامات التي تذهب إلى أنّ محمّدا أعاد صياغة أشياء

استمدها من مصادر اخرى، وأما الباحثون الأوروبيون الذي درسوا محتويات الآيات القرآنية فقد أظهروا أنّ سرد القرآن لكثير من الشخصيات والأحداث التي ذكرت في الكتاب المقدّس تختلف عن نفس الروايات كما هي مذكورة في نفس الكتاب ويبدو أن مصدرها هو بعض المسيحيين المتأخرين، وفي الدرجة الأولى بعض المصادر اليهودية (مثلا المدراش) . وأمّا بعض الأغراض الأخرى كفكرة الحساب الوشيك الوقوع وأوصاف الجنّة فإنّها تتوافق مع الموضوعات العادية في الوعظ الدعوي لآباء الكنيسة السريانية المعاصرة، ولكن ليس من الضروري أن يكون هذا الاستمداد استمدادا حرفيا، إذ قد يكون ذلك نتيجة لتأثيرات الروايات الشفوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت