فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 275

نحن لا نحجر على أي باحث في بحث، كل الذي نريده أن تقوم هذه الأبحاث على أسس متينة، وذلك يحتاج بالطبع إلى: معرفة تامة وعامة كذلك للغة التي نزل بها القرآن أولا، وللظروف النفسية والاجتماعية ثانيا، وتمييز الروايات الصحيحة من الفاسدة ثالثا، وللتخلي عن مسلمات خاضعة لأغراض وأهواء عرقية ودينية رابعا، فإذا وجدت هذه الأسباب أمكننا أن نصل إلى بحث

نزيه وجيه، وإلى نتائج جريئة، ونعترف أن بعض أولئك الباحثين وقد اجتمعت لهم هذه الأسباب قد وصلوا إلى هذه النتائج فغيروا كثيرا من معتقداتهم [1] .

خطأ تقسيم القرآن إلى مراحل:

إن تقسيم القرآن إلى مراحل كما أراد المستشرقون أمر يصطدم مع واقع الأحداث، ومسلمات العقل، وصحيح الرواية ذلك أن المدة التي جهر بها النبي عليه وآله الصلاة والسلام بالدعوة إلى الله، منذ أن نزل عليه قوله سبحانه {قُمْ فَأَنْذِرْ} (2) [المدثر: 2] كانت متشابهة، دون أن يكون بينها خلافات جوهرية رئيسة، ولو أن هؤلاء المستشرقين أفادوا مما قرره علماء المسلمين من الاعتماد على صحيح الروايات، ودرسوا القضايا القرآنية دراسة موضوعية لوصلوا إلى نتائج غاية في الدقة والإبداع والروعة. ولنعط أمثلة على ذلك:

هناك موضوع العقيدة، والخلق، والإنسان، والأخلاق، فإذا أخذنا موضوع العقيدة مثلا فدرسنا الآيات التي تتحدث عن الله سبحانه وتعالى، لوجدنا أن هذه الآيات تقرر هذه المسائل تقريرا تربويا، فهي تذكر الدعاوى أولا، ثم تقيم عليها الأدلة ثانيا، على تعدد مصادر هذه الأدلة، ومثل هذه الدراسة ستجعلنا ندرك ضحالة المقولة التي كاد يجمع عليها المستشرقون، وهي أن قضية التوحيد كان القرآن خال منها في سوره الأولى، وهكذا يمكن أن ندرس قضية الخلق، وكيف تطور فيها القرآن، وكيف تطورت هي كما جاء في الآيات القرآنية.

وهكذا إذا أخذنا موضوع الرسالة على ضوء هذه الدراسة الموضوعية، كيف بدأت بعد المرحلة الأولى من مراحل الوحي {قُمْ فَأَنْذِرْ} وكيف كان هذا الإنذار خاصا، ثم أصبح يتطور ويتسع، وما هي الشبه الأولى التي قوبلت بها هذه

(1) ومن الأمثلة على ذلك موريس بوكاي في كتابه «دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت