فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 275

إن أمر الترتيب الذي ذكره المستشرقون ستظل فيه ثغرات كثيرة لا تجد لها ما يملؤها، وستظل فيه أسئلة كثيرة، لا تجد لها إجابتها المنطقية، وستظل فيه ألغاز عديدة لا تجد حلا.

ثم إن تقسيم العهد المكي إلى مراحل ثلاث ليس له ما يسوّغه لا من المنطق ولا من التاريخ، على أن أخطاء المستشرقين لم تقف عند تقريرهم للعهد المكي فحسب، بل تجاوزتها إلى العهد المدني كذلك، ومما يدل على ذلك ما ذكره بلاشير وهو يتحدث عن العهد المدني، من أن هناك بعض السور القرآنية ليس فيها ترابط تام بين موضوعاتها، ويمثل لذلك بسورة النور، مع أن كل سورة لها شخصيتها وموضوعاتها المترابطة كما بين ذلك علماء المسلمين بيانا لا يعتمد على العاطفة ولا الهوى، وأهل مكة أدرى بشعابها كما يقولون.

لقد ذكر الأئمة ميزات كل من القرآن المكي والمدني وبينوا ذلك بيانا شافيا كافيا يعتمد على صحة النقل في الرواية، وقوة الحجة العقلية، والدليل المنطقي.

إن ترتيب الموضوعات في السورة الواحدة من القضايا التي عنى بها كثير من المفسرين والعلماء قديما وحديثا، ومن هؤلاء الفخر الرازي وابن العربي، والبقاعي في تفسيره: «نظم الدرر في تناسب الآي والسور» ، ومن العلماء المحدثين، الإمام محمد عبده، والدكتور محمد عبد الله دراز، رحمهم الله جميعا.

نحن لا نحجر على أي باحث في بحث، كل الذي نريده أن تقوم هذه الأبحاث على أسس متينة، وذلك يحتاج بالطبع إلى: معرفة تامة وعامة كذلك للغة التي نزل بها القرآن أولا، وللظروف النفسية والاجتماعية ثانيا، وتمييز الروايات الصحيحة من الفاسدة ثالثا، وللتخلي عن مسلمات خاضعة لأغراض وأهواء عرقية ودينية رابعا، فإذا وجدت هذه الأسباب أمكننا أن نصل إلى بحث

نزيه وجيه، وإلى نتائج جريئة، ونعترف أن بعض أولئك الباحثين وقد اجتمعت لهم هذه الأسباب قد وصلوا إلى هذه النتائج فغيروا كثيرا من معتقداتهم (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت