ولكن اللافت للنظر هو أنّ الاختلافات المسجلة قليلة، وعلى الرغم من عدم وجود سجلّ بهذه الاختلافات يمكن القول أنّ الرواية النصية للقرآن أكثر
ثباتا واتساقا من العهد الجديد، ثم طرأ على الكتابة العربية تحسّن تدريجي وأدخلت علامات التنقيط للتمييز بين الحروف المتشابهة، كما تمّ تمييز المدود بإضافة الألف والواو والياء، ومن المعروف أنّ نظام التنقيط هذا كان لا يزال محلّ أخذ وردّ في بداية القرن التاسع، وقد أضيفت علامات الحركات الخاصّة فوق أو تحت الحروف وبلون مختلف ولم تكن تعتبر جزءا من النصّ نفسه.
كان القرّاء هم أهل الاختصاص بالنصّ القرآني، كما كانوا في نفس الوقت علماء بفقه اللغة، وإلى حدّ كبير كان لتعامل هؤلاء مع لغة القرآن الفضل في نشوء علم اللغة العربية، وقد نشأت مدرستان، واحدة في البصرة وكانت مهتمة بتقعيد وترتيب المادة حتى يتسنى لها إقامة القواعد التي تحكم اللغة، والمدرسة الثانية هي مدرسة الكوفة التي اهتمت بدرجة أكبر بالشاذ، ثم نشأت نظرية مفادها أنّ القراءات المختلفة المتنوعة يمكن قبولها إذا كانت مستندة على المصحف العثماني وحسب كما كان من المهمّ بمكان أن تكون القراءة متصلة بسند أحد القرّاء المشهورين.
ونجمت كذلك بعض الاعتبارات اللاهوتية حول طبيعة القرآن الحقيقية، ففي المناقشات التي بدأها المعتزلة (وهي فرقة حاولت إدخال مبادئ فلسفية من العقلانية الإغريقية إلى الفكر الإسلامي) كانت مسألة قدم القرآن (أي أنموذجه السماوي) من النقاط الأساسية، فالمعتزلة الذين رأوا اجتناب كلّ ما من شأنه التنازل عن وحدانية الله أو تجاوزها أنكروا أن يكون القرآن قديما وغير مخلوق، لأنّ هذا يعني وجود شيء آخر قديم جنبا إلى جنب مع الله المتّصف بالقدم، وهذا يخلق ثنائية أزلية متضاربة، ونتيجة لهذا فقد زعموا أنّ القرآن مخلوق من الله، ولكن هذا المذهب رفض من أتباع الإسلام التقليديين، وفي الاعتقاد الشعبي نجد أنّ تبجيل القرآن موجّه غالبا للكتاب الحسّي المشهود أو لجزء منه، إذ يحلف به وتستخدم آيات منه للاستعمال السحري أو الخرافي.