بعض الآيات الدالة على هذا، واكتفينا بها دون غيرها. وذكرنا السبب الذي من أجله كانت تذكر آيات الخلق، وعلى هذا الأساس يمكن أن ندرك الحكمة من ذكر موضوعات معينة في السور المدنية وأخرى في السور المكية. هذا هو الموضوع الأول، الذي هو ألصق بالتاريخ كما قلنا من قبل.
وأما
: فهو ألصق ما يكون بالمباحث الخلقية، فلقد ذكر في الموسوعة: «وإن الله يجازي أو يعاقب الناس على حسب موقفهم نحوه، كما أن هنالك وصف لحساب الناس حيث بعضهم ينال نعيم الجنة وآخرون يعذبون في نار جهنم» .
وهذا موضوع مع أنه خاص بالله وحده فهو الذي له ملك السموات والأرض، يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء، إلا أن ما جاء في القرآن الكريم بلغ من السمو مبلغا يدعو إلى الإعجاب، ففي القرآن الكريم حديث عن صفات الله سبحانه بأنه شديد العقاب وسريع الحساب، ولكنه مع ذلك: العفو الغفور، والغفور الرحيم، والحليم الذي لا يتعجل عذاب الناس: {وَلَوْ يُؤََاخِذُ اللََّهُ النََّاسَ بِمََا كَسَبُوا مََا تَرَكَ عَلى ََ ظَهْرِهََا مِنْ دَابَّةٍ} [فاطر: 45] ، وأنه خلق السموات والأرض بالحق، وأن الناس عنده سواء لا أنساب بينهم، أكرمهم أتقاهم، وأحبهم إليه سبحانه أنفعهم للناس، ولم يخص جنسا من البشر بالقرب منه دون جنس آخر، فليس هناك شعب مختار وأحباء اختارهم الله دون غيرهم.
ومع ذلك كله فهو الحكم العدل، فلم يدع الثواب والعقاب لأماني الناس وادعاءاتهم، {لَيْسَ بِأَمََانِيِّكُمْ وَلََا أَمََانِيِّ أَهْلِ الْكِتََابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}
[النساء: 123] هذه واحدة.
أما الثانية: فالثواب والعقاب والإكرام والإهانة ليست كما أوهمته الموسوعة البريطانية أن هذه الأمور ترجع إلى موقف الناس من الله، موقفا مجردا. ولقد جلّى القرآن هذه القضية تجلية تامة في مواضع كثيرة، وبينتها السنّة المطهرة بيانا
وافيا، فطاعة الإنسان وعبادته لن تنفع الله شيئا، وعصيانه وجحوده وكفره لن يضر الله شيئا {لَنْ يَنََالَ اللََّهَ لُحُومُهََا وَلََا دِمََاؤُهََا وَلََكِنْ يَنََالُهُ التَّقْوى ََ مِنْكُمْ} [الحج: 37] ، {مََا يَفْعَلُ اللََّهُ بِعَذََابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} [النساء: 147] .