فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 275

وهنا قضية من الأهمية بمكان لا بد من الإشارة إليها، والتعويل عليها في بيان خطأ أولئك الذين ادّعوا تأثر القرآن من حيث الزمن والبيئة. إن توجه المسلمين لبيت المقدس كان في مكة منذ أن فرضت الصلاة، ولا يرتاب أحد في أنها فرضت في مكة، وكان المسلمون يتوجهون إلى بيت المقدس، وهذه قضية لها دلالاتها، فلم يكن التوجه لبيت المقدس إرضاء لليهود، كما لم يكن تأثرا بهم كذلك، ولو كان القرآن والإسلام يخضع للأمزجة لكان الأولى والمعقول أن يكون التوجه في مكة للكعبة نفسها، إرضاء للمجتمع المكي الجاهلي، لكي يتألف القرآن قلوب أولئك المكيين، التوجه إلى بيت المقدس إذن كان في مكة نفسها، في المجتمع الذي لم يكن لليهود فيه أي تأثير.

أما تحول القبلة إلى الكعبة فلم يكن كذلك خاضعا لأمر مزاجي، ولم يكن هدفه إرضاء فئة معينة، أو التنكر لفئة معينة، فلم يكن التحول إلى الكعبة نكاية في اليهود، كما يدّعي المدّعون فمن المعلوم أن تحويل القبلة كان بعد الهجرة بستة عشر شهرا، أي في شعبان من السنة الثانية للهجرة سنة 623م، ولم يكن هناك بين المسلمين واليهود أي نوع من العداء، بل يفترض أن سماءهم كانت مقمرة ساطعة صافية، ولو من جانب المسلمين.

توجّه المسلمين إلى بيت المقدس في صلاتهم إذن كان في مكة ولم يكن إرضاء لليهود، وتحويل القبلة إلى الكعبة لم يكن كذلك لترسيخ العداوة لأولئك اليهود.

إن التشريعات الإسلامية وأحكام القرآن لا تخضع البتة لمؤثرات انفعالية وتغيرات مزاجية.

بقيت قضية الصلاة، فهل صحيح بأن هذه الصلاة، وهي الركن الجوهري للإسلام بعد الشهادتين، هل نالها التغيير كذلك؟ فهي في المدينة غيرها في مكة، ففي مكة كانت مرتين، وأصبحت في المدينة ثلاثا، حيث فرضت صلاة العصر؟

إن الثابت تاريخيا أن الصلاة منذ اللحظة الأولى التي فرضت فيها، كانت خمس صلوات، بل إن أحاديث المعراج الصحيحة تجمع على أن موسى عليه السلام في هذه الليلة طلب من النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يسأل الله التخفيف لأن موسى عليه السلام اختبر بني إسرائيل فوجدهم يضعفون، وكان يريدها أقل من خمس صلوات، ولكن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال «استحييت من ربي» (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت