أحد اليوغسلاف أو غيرهم ادّعى أن (جوتا) ليس عنده إلا هزل من القول؟ وماذا لو أن أحدا من ساحل العاج اتهم ديكارت بالخرافة والجنون؟ وما هو موقف الإنجليز والألمان والفرنسيين، بل ما موقف الأدباء والشعراء والفلاسفة كذلك من غير هذه الشعوب؟ لا شك أن ذلك سيثير السخرية والضحك.
أقول هذا مع الفارق الكبير والبون الشاسع كما قلت، وأين ذلك كله من كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. لو أن أولئك أرادوا المراء في أحكام القرآن التشريعية وقيمه الخلقية وعقائده وقواعده لأمكن لبعضهم أن يجد لهم عذرا لأن تلك أمور مشتركة بين الناس جميعا، ولكان جديرا بهم أن يناقشوا فيما يقولون، وأن يبين لهم وجه الحق إن كانوا من ذوي الحق لكن مما يتنافى مع النزاهة والروح العلمية أن يعرض أولئك للغة القرآن وأسلوبه وبيانه، وروعة إيجازه، ودلائل إعجازه.
يقول أستاذنا الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله:
«أما ما يبدو أنه فوق طاقة البشر حقا في الأسلوب القرآني فهو أنه لا يخضع للقوانين النفسية التي بمقتضاها نرى العقل والعاطفة لا يعملان إلا بالتبادل وبنسب عكسية بحيث يؤدي ظهور إحدى القوتين إلى اختفاء الأخرى.
ففي القرآن لا نرى إلا تعاونا دائما في جميع الموضوعات التي يتناولها بين هاتين النزعتين المتنافرتين. وبالإضافة إلى الموسيقى الخالدة التي تعلو الأسلوب المتنوع نرى أن الكلمات ذاتها بمعناها المجازي سواء أكانت وصفا أم استدلالا أم سنّ قاعدة في القانون أو في الأخلاق تسعى بقوة وتجمع في نفس الوقت بين التعليم والإقناع والتأثير، وتمنح القلب والعقل نصيبه المنشود.
وعلاوة على ذلك فإن هذا الكلام الرباني وهو يؤثر على هذا النحو في قوانا المختلفة يحتفظ دائما وفي أي موضع بهيبة مدهشة وبجلالة قوية لا تتأرجح ولا تضطرب.