فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 275

ومن نافلة القول ثالثا أنهم رغم كفرهم بهذا القرآن، وعدم إيمانهم برسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم، إلا أن القرآن كان له على نفوسهم تأثير وهيمنة وسلطان، وتلك قضية بدهية سجلها القرآن نفسه وهي من الأمور التي لا يتأتى فيها ريبة أو مرية، وما ذلك التأثير والسلطان، إلا لأنهم وجدوا فطرتهم اللغوية وطبيعتهم الأدبية في هذا القرآن، وجدوا فيه، مع أنه أقل نظما من الشعر، إقناعا، وهيبة، وإمتاعا،

وهزة لم يجدوها في الشعر، وجدوه خاليا من خشانة البداوة، ومن طراوة أهل الحضر، ولما خشوا منه التأثير عليهم، قال بعضهم لبعض: {لََا تَسْمَعُوا لِهََذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (26) [فصلت: 26] .

ومع ذلك كله نجد من يماري في هذه البدهية كما جاء في دائرة المعارف، وليست وحدها كما قلت، يقول المستشرق دوزي (ت 1884) عن القرآن الكريم: (إنه كتاب ذو ذوق رديء للغاية، ولا جديد فيه إلا القليل، وفيه إطناب بالغ، ومملّ إلى حدّ بعيد) [1] ، فأين ما يقوله هؤلاء مع ما قاله الوليد، مع أنهم يلتقون في الكفر بهذا القرآن، ولا يشك أحد أن الوليد كان أرفع منهم ذوقا، وأرهف حسا، بل لا مجال للمقارنة بينهم.

أما الإطناب فمع أن العربية لغة الإيجاز، وهذا ما يجعلها ذات تميز عن اللغات الأوروبية، فلقد كان القرآن الكريم آية في الإيجاز يعطي أكبر قسط من المعنى بأقل قدر من اللفظ.

وأما الادعاء بأن القرآن ممل، فمع أن قضية الملالة والسآمة، أو الرغبة والإقبال أمور نسبية، إلا أننا نرى أننا لسنا بحاجة إلى إقامة دليل واحد على بعد هذا القول عن الحقيقة، فالقرآن هو الكتاب الذي لا تملّه الأسماع ولا تعافه النفوس لأنها تجد فيها أنسها. وإذا كان هذا شأن المؤمنين بالقرآن فإن كثيرين من غيرهم سواء كان هؤلاء من التواقين للمعرفة أم من المحبين للجمال، يجدون في هذا القرآن متعة وحلاوة.

ونتساءل هنا، ترى ومع البون الشاسع والفرق البعيد لو أن عسكريا من الفئة الحاكمة في الأرجنتين طلع على الناس بموضوع عرض فيه لكتابة شكسبير وإنتاجه ووصفه بالسخف والركاكة والسذاجة وضعف الأسلوب؟ وماذا لو أن

(1) «الاستشراق والخلفية الفكرية» ص 94، د. محمد حمدي زقزوق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت