فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 275

سبحانه، فهو رب العالمين جميعا والعوالم كلها، أرضيها وسماويها، وهو وحده الذي يهب الرحمة، وهو وحده المتصرف بيوم الدين، أي الآخرة، وفي هذه الآية: {إِيََّاكَ نَعْبُدُ وَإِيََّاكَ نَسْتَعِينُ} (5) حسم لكل ذي ريب لأن معنى هذه الآية كما يفهمها العربي لأول مرة بطبيعته وفطرته، ويفهمها من جاء بعدهم بفطنته ودرسه، أي لا نعبد غيرك ولا نستعين بسواك، فليست هذه الآية تثبت العبادة لله والاستعانة به فحسب، وإنما تنفي العبادة والاستعانة عن غيره. وهذا الفهم جاء من خصائص الأسلوب العربي، وهو تقديم المفعول (إياك) على الفعلين (نعبد) و (نستعين) .

إن قواعد النقد العربي والبلاغة العربية، التي تدرك بالفطرة عند العرب الذين نزل فيهم القرآن، وتحتاج إلى نوع معرفة عند الناس فيما بعد، تبين لنا هذه الحقيقة، وهي أن تقديم المفعول يدل على الاختصاص، فإذا قلت مثلا «أحب فن الرسم» ، فأنا هنا قد قدمت الفعل، فمعنى هذه العبارة إنني أحب الرسم، وليس معناها إنني لا أحب غيره، فقد أحب مع الرسم الشعر والرياضة، ولكن حينما أقول: «فن الرسم أحب» وأقدم المفعول، فليس معنى هذا أنني أحب فن الرسم، فحسب كما جاء في العبارة الأولى، وإنما إضافة لهذا المعنى الأول، هناك معنى آخر، وهو أنني أخصّه بالحب أكثر من غيره. وهكذا {إِيََّاكَ نَعْبُدُ وَإِيََّاكَ نَسْتَعِينُ،} فلو قال: (نعبدك ونستعين) لكان دالا على العبادة والاستعانة فحسب، دون أن يعرض لآلهة أخر، ولكن {إِيََّاكَ نَعْبُدُ وَإِيََّاكَ نَسْتَعِينُ} فيها شيء زائد، وهو أننا لا نعبد إلا أنت ولا نستعين بغيرك، فأنت الواحد الذي تستحق العبادة وجدير أن يستعان بك.

أليست هذه حجة ساطعة لإثبات الوحدانية؟ فكيف يقال: إن أمر الوحدانية إنما جاء متأخرا في القرآن، ثم كلمة (لا إله إلا الله) ليس فيها مادة الوحدانية، ولكن أليس معناها ومضمونها الدعوة إلى الوحدانية، وهذه أول كلمة صدع بها النبي صلّى الله عليه وسلّم كما تقول حقائق التاريخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت