ولا نود أن نبسط القول في قضية بدهية، فإذا أثبتنا أن توحيد الخالق كان في الآيات الأولى فلسنا بحاجة أن نثبت أن التنديد بالأصنام وتسفيهها وتسفيه عابديها كان في هذه المرحلة كذلك، لأنهما أمران متلازمان لا يفصل العقل أحدهما عن الآخر.
أما ذكر القصص في هذه السور فهي قضية تحتاج منا إلى كلمة موجزة:
إن نظام القصص في القرآن نظام محكم بديع يخضع لعوامل بيانية من جهة وتربوية ونفسية من جهة أخرى. وهذا النظام لا يكاد يتخلف في قصة ما، وهو نظام ذو مراحل ثلاث:
الأولى: الإجمال والإشارة، وهي ذكر القصص في القرآن الكريم ذكرا مجملا يبدأ بإشارات موجزة، ثم تطول شيئا فشيئا.
الثانية: تفصيل الوقائع والأحداث أي: ذكر القصص ذكرا تفصيليا.
الثالثة: الغاية والنتيجة، وهي مرحلة الخلاصة والاستنتاج، حيث تذكر خلاصة للقصة، وربما تكون فيها بعض الزيادة التي لم تذكر في حالة التفصيل.
وهذا النظام القصصي في القرآن الكريم يظهر ظهورا تاما، وبخاصة إذا درسنا فيه القصة دراسة موضوعية حسب الزمن الذي نزلت فيه، لا من حيث ترتيب السور في المصحف، وهذه الدراسة تطلعنا على كثير من الأسرار، ومن أبرزها: نفي التكرار عن القصص القرآني [1] .
بقيت قضية اليوم الآخر والجنة والنار، فهل ذكرها في هذه السور الأخيرة أقل من ذكرها في السور الأولى كما جاء في الموسوعة البريطانية؟ يقيننا أننا حينما نرجع إلى آي القرآن وسوره الأولى والأخيرة كذلك، فسنجد أن القرآن
(1) راجع كتابنا «القصص القرآني، إيحاؤه ونفحاته» .