وإذا كان الكثيرون منهم لم يستجب لهم أقوامهم، فإن ذلك لا يعود إلى إخفاقهم في تبليغ الرسالة، ولا إلى تقصير ناشئ عن خطأ في تبليغ الرسالة، أو اعوجاج في الطريقة المتبعة، وعليه فإن هذا الإخفاق لم ينشأ عن عيب تربوي في شخصية الداعي ومنهجيته، وإنما نشأ عن عناد وإصرار على الخطأ عند بعض أولئك المدعوّين. وهذه طبيعة ليست عند أولئك فحسب، ولكن هؤلاء الأنبياء مع أقوامهم ليسوا إلا مثلا للإنسانية كلها، في جميع ظروفها وعصورها، فدعاة الخير في كل زمان يجدون المعارضة، ويلقون المشقة، ويقابلون في طريقهم صعوبات كثيرة.
هذه سنة من سنن الله في المجتمع البشري، والقرآن حينما يذكر الأنبياء عليهم السلام، فهو يقصد تثبيت النبي من جهة، والإشادة بالمؤمنين كي لا يؤثر فيهم ما يلقونه من خصومهم من جهة ثانية، وتحذير أولئك المعاندين من جهة ثالثة. ولكننا نجد فروقا بين النبي صلّى الله عليه وسلّم ومن قبله من الأنبياء عليهم السلام جميعا، فالأنبياء كانت تنتهي دعواتهم بإرسال العذاب على المكذبين من أقوامهم، وهكذا يسدل الستار على كل قصة من هذا القصص، فيهلك المكذبون وينجي الله النبي ومن معه، ولا يحدثنا القرآن شيئا بعد ذلك عن أولئك الذين نجوا من العذاب.
ولكن الأمر ليس كذلك في رسالة الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، إنما كان هناك وعد بالنصر والغلبة والاستخلاف للمؤمنين به، ولقد صدق الله وعده.
وعلى هذا فليس هناك إخفاق [1] كما جاء في الموسوعة.
وهناك فروق شاسعة من حيث النتائج بين الأنبياء السابقين وبين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع أنهم جميعا إخوة، فالرسول أمر بالجهاد ووعده
(1) آثرنا كلمة إخفاق لأنها أصح من كلمة فشل.