فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 275

سجلته لنا سورة الروم في أولها، وقد كان الوثنيون في مكة يفرحون بانتصار الفرس، ويحبون أن تكون لهم الغلبة، وكان المسلمون يودون أن ينتصر الروم الكتابيون، ونزلت السورة الكريمة {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلََّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} (4) [الروم: 41] .

وعلى هذا الأساس ما فتئ الإسلام وما برح يتقرب إلى أولئك الكتابيين، ولكن هذا التقرب لم يكن لهدف شخصي فلم يكن هذا التقرب من أجل حماية ينشدها عند هؤلاء الكتابيين ليدافعوا عنه في حالة ضعفه، وليردوا عنه ظلم الوثنيين، وكما أنه لم يكن من أجل هذه الحماية المادية، فلم يكن من أجل هدف معنوي كذلك، فهو لا يطمع بما عند هؤلاء لينقل عنه أو يقبس منه، فلم يكن هناك ما يمكن أن يعوّل عليه. أما عند النصارى الذين كانت قد مزقتهم الحروب والإحن والخلافات المذهبية والمحن فلم يكن عندهم ما هو حريّ بأن يؤخذ.

وأما عند اليهود فلم يكن بأحسن حظا مما عند النصارى، وبخاصة أن يهود يثرب كان جلّ ما عندهم مبنيا على الحكايات والأقاصيص والخرافات، فإذا أضفنا إلى هذا ما كانوا يتصفون به من أخلاقيات مرفوضة أدركنا أن توثيق صلة القرآن بهم لم تكن من أجل مصلحة خاصة يبتغيها القرآن، ونجد أن القرآن في العصر المكي كان كثير النعي واللوم والتنديد بأولئك اليهود، لأنهم اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم [1] ، والقرآن يقص عليهم هذا الذي فيه يختلفون [2] : {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتََابَ الَّذِي جََاءَ بِهِ مُوسى ََ نُورًا وَهُدىً لِلنََّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرََاطِيسَ تُبْدُونَهََا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مََا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلََا آبََاؤُكُمْ} [الأنعام: 91] .

(1) قال تعالى: {وَآتَيْنََاهُمْ بَيِّنََاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلََّا مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}

[الجاثية: 17] .

(2) قال تعالى: {إِنَّ هََذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى ََ بَنِي إِسْرََائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (76) [النمل: 76] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت