وأما ثانيا: فلقد جاء هذا القرآن يختلف في كثير من مسائله وقضاياه ومقرراته، وأحكامه وتصوراته عما قرر في هذين الكتابين، صحيح كانت هناك قضايا مشتركة، وهذا أمر بدهي لا بد منه، فالقرآن كتاب سماوي جاء لإرساء كثير من المقررات الدينية وترسيخها في النفوس، ولا بد أن تكون هناك جوانب مشتركة بينه وبين هذه الكتب، ونحن نرى أن كتب الأدب على اختلاف لغاتها وأعصارها وأمصارها نجد بينها سمات مشتركة، وكذلك كتب الاقتصاد، رغم اختلاف أصحابها وتعدد مذاهبهم بين اقتصاد حرّ وغير حرّ، ولكن هناك سمات مشتركة بين هذه المباحث.
والناظر في القرآن الكريم يجد اختلافات جوهرية في قضايا كثيرة: في قضية الخلق. وفي القصص وما يتفرع منها كالطوفان، وفي قضايا التشريع ففي قضايا الخلق مثلا نجد أن الأصول التي اتفقت عليها التوراة والقرآن أقل من القضايا المختلف فيها. يقول موريس بوكاي:
«يدعي كثير من المؤلفين الأوروبيين أن رواية القرآن عن الخلق قريبة إلى حد كبير من رواية التوراة، وينشرحون لتقديم الروايتين بالتوازي. إني أعتقد أن هذا مفهوم خاطئ فهناك اختلافات جلية، ففيما يتعلق بمسائل ليست ثانوية مطلقا من وجهة النظر العلمية نكتشف في القرآن دعاوى لا يجدى البحث عن معادل لها في التوراة. كما أن التوراة من ناحية أخرى. تحتوي على معالجات تفصيلية لا معادل لها في القرآن» [1] .
وفي مسألة الطوفان نجد ما يذكره القرآن مختلفا اختلافا تاما عما ذكرته التوراة، «فعلى حين تتحدث التوراة عن طوفان عالمي لعقاب كل البشرية الكافرة، يشير القرآن على العكس إلى عقوبات عديدة نزلت على جماعات
(1) «الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة» ص 157.