فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 275

لقد كان هؤلاء لا يلوون على شيء، اللهم إلا حكايات وخرافات وأباطيل وأساطير جاء القرآن يندد بها ويعنف عليها. يقول ج. سال: «إذا قرأنا التاريخ الكنسي بعناية، فسنرى أن العالم المسيحي قد تعرض منذ القرن الثالث لمسخ صورته، بسبب أطماع رجال الدين، والانشقاق بينهم، والخلافات على أتفه المسائل، والمشاجرات التي لا تنتهي، والتي كان الانقسام يتزايد بشأنها، وكان المسيحيون في تحفزهم لإرضاء شهواتهم واستخدام كل أنواع الخبث والحقد والقسوة. قد انتهوا تقريبا إلى طرد المسيحية ذاتها من الوجود، بفعل جدالهم المستمر حول طريقة فهمها. وفي هذه العصور المظلمة بالذات ظهرت، بل وثبتت أغلب أنواع الخرافات والفساد ولقد وجدت الكنيسة الشرقية نفسها بعد مجمع «نيقية» ممزقة بسبب الخلافات بين أنصار أريوس وسابليوس

ونسطور، ويوتيخيوس، ولقد رأى رجال الدين أن يمنح ضباط الجيش بعض الحماية، وبهذه الحجة كان العدل يباع علنا مما شجع كل نوع من أنواع الفساد والرشوة. أما بالنسبة للكنيسة الغربية فقد بلغ الخلاف بين دماز وأرزيسيان على كرسي الأسقفية بروما في شدته حد اللجوء إلى العنف والقتل. لقد قامت هذه الانشقاقات أساسا نتيجة أخطاء الأباطرة ولا سيما الامبراطور قسطنس. وزادت حدة في ظل حكم جستنيان، الذي اعتقد أنه ليس هناك أي جرم في قتل أي رجل يخالفه في فهم العقيدة، هذا الفساد في الأخلاق وفي العقيدة الذي ساد بين الأمراء وبين رجال الدين، استتبع بالضرورة فساد الشعب عامة. حتى أصبح شغل الناس الشاغل على اختلافهم هو جمع المال بأية وسيلة مهما كانت لإنفاقه بعد ذلك في الترف والرذيلة.

ولقد كتب تايلور في كتابه «المسيحية القديمة» (1: 266) يقول: «إن ما قابله محمد وأتباعه في كل اتجاه لم يكن إلا خرافات منفرة، ووثنية منحطة ومخجلة، ومذاهب كنسية مغرورة، وطقوسا دينية منحلة وصبيانية، بحيث شعر العرب ذوو العقول النّيرة بأنهم رسل من قبل الله، مكلفين بإصلاح ما ألم بالعالم من فساد» ، وعند ما وصف راهب مؤرخ الآلام والعذاب الذي أوقعه الفرس بشعب فلسطين في زمن محمد لم يتردد في أن يقرر أن الله لم يصب المسيحيين هناك بقسوة الزنادقة الظلمة إلا بسبب ظلمهم وشرورهم. وعند ما أراد موشايم وصف هذا العصر، رسم صورة للمقارنة أبرز فيها التعارض بين المسيحيين الأوائل والأواخر، وخرج بأن الديانة الحقيقية في القرن السابع كانت مدفونة تحت أكوام من الخرافات والأوهام السخيفة، حتى أنه لم يكن في مقدورها أن ترفع رأسها.

وكأن هذه الصفحات قد كتبت لتفسر الآية القرآنية الوجيزة من سورة المائدة: {وَمِنَ الَّذِينَ قََالُوا إِنََّا نَصََارى ََ أَخَذْنََا مِيثََاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمََّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنََا بَيْنَهُمُ الْعَدََاوَةَ وَالْبَغْضََاءَ إِلى ََ يَوْمِ الْقِيََامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللََّهُ بِمََا كََانُوا}

{يَصْنَعُونَ} [المائدة: 14] ، فهذه الآية الكريمة تشير مجرد إشارة إلى البعد الماديّ الذي كان بين المسيحية والمسيحيين في عصر الرسول، وتعلن أن الانشقاق الناتج من هذا البعد سيمتد إلى يوم القيامة (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت