سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم القتال والفتح والحجرات، والمجادلة والحشر والممتحنة، والصف والجمعة والمنافقون، والتغابن والطلاق والتحريم: سور مدنية، وهي لا شك أقصر من السور المكية التي ذكرناها من قبل. هذه واحدة.
أما الثانية: وهي التي تتعلق بالترتيب فالأمر فيها أظهر من سابقتها، فسورة الأنفال وهي السورة الثامنة أقصر من سورة براءة وهي السورة التاسعة، وسورة الحجر وهي السورة الخامسة عشرة أقصر من سورة النحل وهي السورة السادسة عشرة، وسورة السجدة وهي السورة الثانية والثلاثون أقصر من سورة الأحزاب وهي السورة الثالثة والثلاثون، وسورة الكوثر أقصر من المعوذتين، ثم إن هناك سورا مدنية كسورة النور، جاءت في وسط سور مكية، وكذلك سورة الأحزاب وسورة النصر، كما أن سورتي الأنعام والأعراف المكيتين جاءتا في وسط سور مدنية.
والحق أن ترتيب السور في كتاب الله تعالى، فضلا عن أنه أمر توقيفي، جاء بتعليم من النبي صلّى الله عليه وسلّم، فإنه مع ذلك سرّ من أسرار إعجاز هذا القرآن، فمجيء السورة بعد سابقتها دالّ على ارتباط وصلة وإحكام ما بين السورتين، وقد يكون ذلك من حيث الموضوع، وقد يكون من حيث اللفظ، وقد يكون من الحيثيتين مجتمعتين، وهكذا نجد أنّ كل سورة ترتبط بما قبلها من جهة معينة، وهذا يدل على إحكام وتلاحم واتساق بين سور القرآن جميعها.
فإذا كانت سورة النور المدنية ترتبط بسورة المؤمنون من هذه الحيثية، فإن سورة الفرقان المكية ترتبط بسورة النور التي قبلها من حيث إن كلّا منهما كان تبرئة للنبي صلّى الله عليه وسلّم من التهم والافتراءات، إلا أن سورة النور كانت تبرئة للسيدة عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلّى الله عليه وسلّم، وسورة الفرقان كانت تبرئة للنبي صلّى الله عليه وسلّم من حيث ما ادعى عليه الطاعنون في رسالته.
وهكذا نجد أن كل سورة ترتبط بما قبلها من جهة، وترتبط بها ما بعدها من جهة أخرى، ليكون هذا التلاحم والإحكام سمة من سمات هذا القرآن، لا
تنفصل عنه ولا تنفصم، ولكن الذي لا ينظر نظرة إمعان ولا يقف من الأمور موقف الجدّ يظل بعيدا عن حقائق الأشياء، بعيدا عن الإلمام بطبيعتها.