ومما يدلنا على بطلان ما ادعته دائرة المعارف أن الاختلاف ليس في السور المدنية وحدها، وهي التي ادعي أن آياتها كانت نثرا معقدا فلم يعرف أين تنتهي الآية، إنما اختلافهم في العدد كان في السور المكية والمدنية على السواء، وكان في السور ذوات الآيات الطويلة والقصيرة على السواء كذلك، والسور التي اختلف في عدّ الآية فيها تنيف على السبعين، ليس فيها من السور المدنية إلا بضع عشرة سورة، ويبقى ما ينيف على الستين من السور المكية [1] .
وعلى هذا فإن ما ادعته دائرة المعارف من أن أسلوب السور المدنية وطول آياتها هو السبب في عسر معرفة نهاية الآية: بعيد عن الحق، مجانب للصواب، ثم إن معرفة الآيات، كما قلنا من قبل، ليست قضية اجتهادية، ترجع إلى رأي القارئ واختياره، وإنما هي أمور مبينة منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم.
ولكي نكون ميدانيين في دراستنا نذكر بعض الأمثلة الموجزة، وسنختار سورتين مدنيتين هما الزهراوان: البقرة وآل عمران، وهما من السور الطوال، وسورتين قصيرتين، ونذكر مواضع الاختلاف في عدد آيات هذه السور، لندرك أن الأمر بعيد كل البعد عما عللت به دائرة المعارف سبب هذا الاختلاف.
(1) سورة البقرة: وهي أطول سور القرآن كما نعلم، والخلاف في عد آيها ينحصر في أحد عشر موضعا:
الموضع الأول: {الم،} (1) فلقد عدّها بعض القراء آية مستقلة، وهم الكوفيون، ولكن غيرهم لم يعدّها آية بل جعلها جزءا من آية.
الموضع الثاني: قوله سبحانه: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزََادَهُمُ اللََّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ} [آية: 10] فلقد عدّها بعضهم آية، ولكن أكثرهم لم يعدّها آية وإنما رأس
(1) يراجع النوع التاسع في «الإتقان» ص 231.