ولكي نفهم الأمر على حقيقته لا بدّ أن ندرك أمورا ثلاثة، وهي:
أولا: القضايا التي عرض لها القرآن.
ثانيا: الأسلوب الذي عرضت فيه هذه القضايا.
ثالثا: الأدلة والبراهين التي جاء بها القرآن.
فقد يتحدث القرآن عن التوحيد، أو عن الرسالة، أو عن اليوم الآخر، ولكن الأسلوب الذي يتحدث فيه عن هذه الأشياء ليس واحدا، فقد يكون أسلوب القصة، أو المحاورة، أو التقرير، أو التقريع، أو الترغيب. أما الأدلة، فقد تكون منتزعة من النفس، أو من الكون، أو من المشاهدات التي يشاهدها كل واحد من الناس.
ولقد بلغ القرآن الذروة في تقرير حجج خصومه بكل دقة وأمانة، وردها بأبلغ ردّ وأوفاه، ولكن ليس الرسول عليه وعلى آله الصلاة والسلام هو الذي كان يردّ على هؤلاء الخصوم، بل يصرح القرآن في أكثر من موضع بأن الرسول لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، بل لا يستطيع أن يأتي بشيء من عنده، وإنما ذلك كله رحمة من الله، والآيات الكثيرة تشهد على ذلك: {قُلْ لََا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلََا ضَرًّا إِلََّا مََا شََاءَ اللََّهُ} [الأعراف: 188] ، {قُلْ لَوْ شََاءَ اللََّهُ مََا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ}
[يونس: 16] ، {وَمََا كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى ََ إِلَيْكَ الْكِتََابُ إِلََّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ}
[القصص: 86] ، فليس الرسول هو الذي كان يردّ إذن، إنما القرآن الذي أوحاه الله هو الذي يعرض هذه القضايا جميعها.
ثم إن أسلوب القرآن ليس سواء، يتصف بالعنف دائما، فقد تكون سمات الهدوء مهيمنة على هذا الأسلوب، والحق أن السياق الذي تجيء الآيات فيه يحدد نوع الأسلوب، وذلك أمر طبعيّ، فالترغيب والترهيب أساسان من أسس التربية ولنستمع إلى هذا الأسلوب الهادئ الهادف:
يََا أَيُّهَا النََّاسُ قَدْ جََاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلََّهِ مََا فِي السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ وَكََانَ اللََّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170) يََا أَهْلَ الْكِتََابِ لََا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلََا
تَقُولُوا عَلَى اللََّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللََّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقََاهََا إِلى ََ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللََّهِ وَرُسُلِهِ وَلََا تَقُولُوا ثَلََاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللََّهُ إِلََهٌ وََاحِدٌ سُبْحََانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مََا فِي السَّمََاوََاتِ وَمََا فِي الْأَرْضِ وَكَفى ََ بِاللََّهِ وَكِيلًا (171) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلََّهِ وَلَا الْمَلََائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبََادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) [النساء: 172170] .