إن مدى التاريخ واحد تماما في كلتا الروايتين، ومع ذلك فإن مجرد التأمل السريع يمكن أن يكشف لنا عن عناصر خاصة تميز كلتيهما على حدة، فرواية القرآن تنغمر باستمرار في مناخ روحاني، نشعر به في مواقف وكلام الشخصيات التي تحرك المشهد القرآني، فهناك قدر كبير من حرارة الروح في كلمات يعقوب ومشاعره في القرآن، فهو نبي أكثر منه أبا، وتبرز هذه الصفة على الأخص في طريقته في التعبير عن يأسه عند ما يعلم باختفاء يوسف، كما تتجلى في طريقته في تصوير أمله حين يدفع بنيه إلى أن يتحسسوا من يوسف وأخيه. وامرأة العزيز نفسها تتحدث في رواية القرآن بلغة ضمير إنساني وخزه الندم، وأرغمته طهارة الضحية ونزاهتها على الاستسلام للحق، فإذا بالخاطئة تعترف في النهاية بغلطتها، وتقر بخطيئتها. وفي السجن يتحدث يوسف بلغة روحية محلقة، سواء
مع صاحبيه أم مع السجان، فهو يتحدث كنبي يؤدي رسالته إلى كل نفس يرجو خلاصها.
وفي مقابل ذلك نجد الرواية الكتابية تبالغ بعض الشيء في وصف الشخصيات المصرية الوثنية بالطبع بأوصاف عبرانية، فالسجان يتحدث كموحد. وفي القسم الخاص بتعبير الرؤيا في القصة يرتسم رمز المجاعة في صورة أقل إجادة، فعبارة التوراة هي: (فابتلعت السنابل الجياد) ، أما في الرواية القرآنية فإنها تعقبها فحسب.
والرواية الكتابية تكشف أيضا عن أخطاء تاريخية تثبت صفة (الوضع التاريخي) للفقرة التي نناقشها، فمثلا فقرة: «لأن المصريين لا يجوز لهم أن يأكلوا مع العبرانيين لأنه رجس عند المصريين» يمكننا التأكيد بأنها من وضع النساخ الميالين إلى أن يذكروا فترة المحن التي أصابت بني إسرائيل في مصر، وهي بعد زمن يوسف عليه السلام.
وفي رواية التوراة استخدم إخوة يوسف في سفرهم (حميرا) بدلا من {الْعِيرُ} في رواية القرآن، على حين أن استخدام الحمير لا يمكن أن يتسنى للعبرانيين إلا بعد استقرارهم في وادي النيل، بعد ما صاروا حضريين، إذ الحمار حيوان حضري عاجز في كل حالة عن أن يجتاز مسافات صحراوية شاسعة لكي يجيء من فلسطين، وفضلا عن ذلك فإن ذرية إبراهيم ويوسف كانوا يعيشون في حالة الرعاة، رعاة الأغنام والمواشي.
وأخيرا فإن (حل) عقدة القصة يحمل طابع السرد التاريخي في الرواية الكتابية، حيث يشتمل في الفصول الأخيرة التي آثرنا حذفها كيما نتجنب الإطالة المملة على تفاصيل مادية عن استقرار العبرانيين في مصر.
أما في القرآن فإن هذا الحل يدور حول الطابع المميز للشخصية المحورية:
يوسف الذي يختم هذا الختام المنتصر: يََا أَبَتِ هََذََا تَأْوِيلُ رُءْيََايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهََا رَبِّي
حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجََاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطََانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمََا يَشََاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ» (100) (1) .