وشبيه بهذا تقديم المغفرة على الحلم في مثل قوله سبحانه: {وَاللََّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225] ، فقد قدمت المغفرة على الحلم وسياق هذه الآيات يحتم
ذلك ونذكر على سبيل المثال للتدبر قول الله تعالى: {لََا يُؤََاخِذُكُمُ اللََّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمََانِكُمْ وَلََكِنْ يُؤََاخِذُكُمْ بِمََا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللََّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225] ، فإن كسب القلب وإصراره على الخطأ وتعمد الذنب يحتاج إلى مغفرة أولا، وإلى حلم ثانيا.
فانظر كيف غوير بين الرحمة والحلم، فجاء كل في الموضع المناسب له.
وقد يتقدم الحلم على المغفرة، وإذا نظرنا إلى الآيات التي جاءت كذلك رأينا فيها دقة الصنع، كما قلت، وإحكام الربط، فلقد تقدم الحلم على المغفرة في آيتين، نذكر منهما واحدة ونرشدك إلى الثانية لتتأملها.
قوله تعالى في سورة فاطر: {وَلَئِنْ زََالَتََا إِنْ أَمْسَكَهُمََا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كََانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الآية: 41] ، امتن الله على الخلق جميعا، بأنه يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا لا يمسكهما أحد بعد الله تبارك وتعالى، وقد سير سبحانه هذا العالم على نظام بديع بحيث لا يتصادم نجمان أو يقع أحد هذه الأجسام العلوية على الأرض، وذلك مع كثرة المعاصي التي يفعلها الخلق، أليس ذلك حلما عظيما من الله رب العالمين! ولذلك قدم الحلم في الآية الكريمة.
والآية الثانية في سورة الإسراء: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمََاوََاتُ السَّبْعُ} [آية: 25] .
2 -ومن هذا العلم والحكمة، فكثير من الآيات ختمت ببيان أن الله عليم حكيم، ولكن بعضها جاء على عكس ذلك فقدمت فيه الحكمة على العلم، ففي قصة إبراهيم عليه السّلام في سورة الذاريات حينما بشر بالغلام وعجبت امرأته، وتساءلت كيف تلد وهي عجوز عقيم، قيل لها: {قََالُوا كَذََلِكَ قََالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ،} (30) وفي قصة إبراهيم كذلك في سورة الأنعام وقد أعطاه الله الحجة على قومه جاء قوله سبحانه: {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} (128) ونظن أن تقديم الحكمة هنا أمر يستدعي الإعجاب والخشوع والإجلال.