فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 275

درس علماء المسلمين هذه القضية، فمنهم من رأى أن في القرآن كلمات هي في أصلها غير عربية، ولكن القرآن لم يستعملها وهي كذلك لأن هذه

الكلمات قبل نزول القرآن بأزمنة انتقلت إلى العرب، فأجرى عليها العرب تعديلات تتفق مع قواعدهم ومقاييسهم اللغوية، وأخضعوها لمنطقهم اللغوي، فأصبحت منسجمة في أوزانها ونطقها مع القواعد والمقاييس العربية، وهذه كلمات قليلة بالطبع، لا كما يصورها بعض الكاتبين.

وخلاصة هذا القول أن ورود هذه الكلمات في القرآن الكريم لم يكن إلا بعد استعمال العرب لها ردحا من الزمن، وبعد أن قاموا بتشذيبها وتهذيبها بالصبغة العربية الخالصة.

ولكن المحققين من الأئمة ذهبوا غير هذا المذهب ولم يرضهم هذا الرأي، فقرروا أن هذه الكلمات ليست إلا كلمات عربية في أصلها ونشأتها، وورودها في لغات غير العربية ليست دليلا على أنها أجنبية، فهناك تشابه في كثير من الكلمات وبخاصة في اللغات السامية، فإذا كانت هذه الكلمات ذكرت في لغات متعددة فلا يدل هذا على أنها بعيدة من العربية، وقد نرجح هذا القول حينما نعلم أن جرس الكلمات في العربية يختلف عنه في اللغات الأخر.

وهذا القول نص عليه ابن جرير الطبري شيخ المفسرين في مقدمة «تفسيره» ، ودافع عنه بقوة منطقية، وهو ما ارتضاه كثير من الباحثين المنصفين المحدثين.

إن تشابه الكلمات وبخاصة الساميّة منها من الأمور البدهية، يقول ابن الأثير في «المثل السائر» وهو يتحدث عن اللغة العربية وما لها من ميزات وخصائص:

«وحضر عندي في بعض الأيام رجل من اليهود، وكنت إذ ذاك بالديار المصرية، وكان لليهود في هذا الرجل اعتقاد لمكان علمه في دينهم وغيره، وكان لعمري كذلك، فجرى ذكر اللغات وأن اللغة العربية هي سيدة اللغات، وأنها أشرفهن مكانا وأحسنهن وضعا، فقال ذلك الرجل: كيف لا تكون كذلك وقد جاءت آخرا فنفت القبيح من اللغات قبلها وأخذت الحسن، ثم إن واضعها تصرّف في جميع اللغات السالفة، فاختصر ما اختصر، وخفف ما خفف، فمن

ذلك اسم الجمل، فإنه عندنا في اللسان العبراني «كويل» ممالا على وزن فوعيل، فجاء واضع اللغة العربية وحذف منها الثقيل المستبشع، وقال: جمل، فصار خفيفا حسنا، وكذلك فعل في كذا وكذا، وذكر أشياء كثيرة، ولقد صدق في الذي ذكره، وهو كلام عالم به» (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت