وقوله: {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ} بيان لتناهى الشدة، وبلوغها الغاية القصوى. أى: تاب - سبحانه - على الذين اتبعوا رسوله من المهاجرين والأنصار من بعد أن أشرف فريق منهم على الميل عن التخلف عن الخروج إلى غزوة تبوك، لما لابسها وصاحبها من عسر وشدة وتعب.
وفى ذكر {فَرِيقٍ مِّنْهُمْ} إشارة إلى أن معظم المهاجرين والأنصار، مضوا معه - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك دون أن تؤثر هذه الشدائد في قوة إيمانهم وصدق يقينهم، وضماء عزيمتهم، وشدة إخلاصهم وإلى هذا المعنى أشارة القرطبى بقوله: قال ابن عباس: كانت التوبة على النبى - صلى الله عليه وسلم - لأجل أنه أذن للمنافقين في القعود،
بدليل قوله سبحانه {عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} [1]
وكانت توبته على المؤمنين من ميل قلوب بعضهم إلى التخلف عنه - أى - إلى التخلف عن الخروج معه إلى غزوة تبوك. المهم انه يفهم من قوله تعالى (لقد تاب الله عن النبى) انه صلى الله عليه وسلم بشر قابل للخطأ والصواب وليس منزها عن الخطأ حاشى لله ان يكون من بين خلقه من يشاركه في صفاته بالكمال فيها وهى صفة التنزيه عن الخطأ بمعنى الكمال سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ويؤكد هذا قوله تعالى (عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ) [2]
ومن ثم تعنى الاية انها توبة من الله على نبيه لخطئه في اذنه للمنافقين بالقعود
خلاصة الحكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما ورد بالترمذى (عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ) .. قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ مَسْعَدَةَ عَنْ قَتَادَةَ ولقد دللنا بهذا الحديث رغم وصفهم له بأنه غريب لايعرفونه الا مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ مَسْعَدَةَ عَنْ قَتَادَةَ لأنه يتطابق مع صريح الأية المحكمة في قوله تعالى:
(أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ) ) ) [3]
وهذا هو المنهج الصحيح في الاخذ بالاحاديث المرويّة عنه صلى الله عليه وسلم فقط منها ماكان متفقا مع محكم القران أما مالم يأتى منها متفقا مع محكم القران فلا يؤخذ به مهما كان راويه ومن ثم ليس منهجنا كمنهج القرانيين اللذين يرفضون السنة بالمطلق ..
لا فنحن نؤمن بحديث المقدام بن معد يكرب والذى أورده أحمد في مسنده قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَلَا إِنِّي
(1) التوبة:43
(2) التوبة:43
(3) الاسراء:93