وهنا فان الشيطان لو قيس مافعله ومافعل الانسان لوجدنا أن مافعله الاخير يتجاوز كثيرا مافعله الاول في معصية الله فان كان الانسان قد أشرك بالله الاها اخر فان الشيطان قد كفر بأنعم الله وخرج عن طاعته والشرك هو اعظم من الكفر درجة
لقوله تعالى (( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ) )) [1]
وقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا(116 ) ) ) [2]
وهذا يعنى ان باب غفران الله مفتوح لمن لمن كفر انعم الله اذا ماتاب واناب ورجع الى باب رحمته مستجيرا بعفوه وغفرانه حتى ولو كان ابليس ذاته ولكن لان الله ذكر قوله (لمن يشاء) اى ان مشيئة الله هى الفيصل لقبول هذه التوبة من عدمه والشيطان قد اخبرنا الله بان باب مشيئته بالغفران له موصد دونه لانه وبعلمه سبحانه وتعالى وفى قدره المقدور وكتابه المسطور يعلم بأنه لن يعود تائبا ولكن سيظل محرضا للانسان على المعصية بل أكثر من المعصية والكفر ذلك الذى يعنى الجحود والنكران بأنعم الله الى درجة الشرك به سبحانه وتعالى ومن ثم اتى الله بقاعدة الغفران لجميع الخلائق بما فيهم ابليس وقد تحدى كل الخلائق انه رغم كون باب التوبة لابليس مفتوح الا انه لن يتوب ولن يرجع وسيظل على حاله متكبرا حتى يوم الدين اما الانسان فقد تجاوز الكفر الى الشرك والعياذ بالله هذا الذى ان اقدم عليه احد فلن يغفر الله له بنص الايتين السابقتين ..
والدليل على ان الانسان قد تجاوز كفر الشيطان بانعم الله وخروجه عن طاعته الى درجة اعلى في وهى الشرك به سبحانه وتعالى
لقوله تعالى (( وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) )) [3]
ولقوله تعالى (( كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ(16) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ (17 ) ) [4] ...
وكما هو واضح من الاية ومن محاججة الشيطان لمن أضلهم بانه يؤكد مافعله وفعلوه والله اعلم واصدق في الاخبار بالكتاب الكريم لما فعله وفعلوه فقد كفر الشيطان بانعم الله وخرج عن طاعته ولكن بعض مالناس قد أوصلهم اضلال الشيطان لهم بشركهم بالله سبحانه وتعالى لذلك كان حتما مقضيا من الله عليهم ان الله لن يغفر لهم شركهم به سبحانه وتعالى كما انه لن يغفر للشيطان كفره كذلك فكانت النتيجة لكليهما ان الله قال عن الشطر الأول
(( فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ(30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44 ) )) [5] . ..
ولو نظرنا في الأيات لرأينا قوله تعالى في الشطر الثانى
(( قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ(34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35 ) )) [6] وهذا يعنى انه قرين اللعنات عليه الى يوم القيامة بينما الثانى وهو الانسان والذى تحسر عليه الله ان يفعل ذلك لقوله تعالى (( يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَاتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) )) [7] ..
ذلك الانسان الذى يتحسر الله عليه وماأل اليه ليس من قبيل التشفى بل من قبيل ما في مكنوناته من رحمة واشفاق وحزن على نتيجة عمله واختياره الذى طالما ارسل الرسل اليه ليهتدى وهو لم يهتد وظل معاندا ذلك الانسان الذى اطاع من أمره سبحانه وتعالى سلفا بالسجود له فأشرك بالله سبحانه وتعالى فكان حتما مقضيا غضب الله عليه وطرده من مغفرته ليبقى مع الشيطان بذات المنزلة من جهنم ليتعاتبوا معا ويلقوا باللائمة على بعضهم هم والشيطان بل وفيما بينهم هم انفسهم فكان ذلك هو الخسران المبين!!
يقول الله تعالى (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ) [8] ..
والسؤال الذي يطرح نفسه فإلى أي فصيلة ينتمي الشيطان إبليس؟
والجواب تجدوه في قول الله تعالى:
(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ) ) [9]
إذا"إبليس من عباد الله فما خلقه الله إلا ليعبد الله وحده لا شريك له ومثله كمثل عباد الله من الجن ومن ثم نادى الله في مُحكم كتابه إلى كافة عبيده من الجن والإنس ومن كُل جنس جميع الذين أسرفوا على أنفسهم مهما كان إسرافهم بما فيهم الشياطين لأنهم كذلك من عباد الله وليس أنهم آلهة من دونه سبحانه بل كذلك من عباد الله ويشملهم النداء إلى رحمة الله إذا تابوا وأنابوا ولم ييأسوا من رحمة الله فسوف يجدوا لهم ربًا غفورًا رحيما"يغفر الذنوب جميعًا مهما كانت ومهما كثرت ولم يقل الله تعالى يامعشر الجن الذين أسرفوا على أنفسهم ولم يقل يامعشر الإنس بل لم يحدد الجنس بل جعل الله النداء يشمل كافة عباد الله من الجن والإنس
وقال الله تعالى (( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(54) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَاتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (55) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَاتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (56) أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِى جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (57) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِى لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (58) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِى كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (59) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (60) وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ (61) [10]
(1) النساء:48
(2) النساء:116
(3) ابراهيم:22
(4) الحشر:17:16
(5) الحجر:44:30
(6) الحجر:35:34
(7) يس:30
(8) الزارياـ:56
(9) الكهف:50
(10) الزمر:61:54