"اعترضت طائفة ممن يشنأ الحديث ويبغض أهله، فقالوا بتنقُّص أصحاب الحديث والإزراء بهم، وأسرفوا في ذمِّهم والتقوُّل عليهم، وقد شرَّف الله الحديث، وفضَّل أهله، وأعلى منزلته، وحكَّمه في كل محلة، وقدَّمه على كل علم، ورفع من ذكر من حمله وعني به، فهم بيضة الدين، ومنار الحجة، وكيف لا يستوجبون الفضيلة ولا يستحقون الرتبة الرفيعة وهم الذين حفظوا على الأمة هذا الدين، وأخبروا عن أنباء التنزيل، وأثبتوا ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه، وما عظَّمه الله عزَّ وجلَّ به من شأن الرسول صلى الله عليه وسلم، فنقلوا شرائعه، ودوَّنوا مشاهده، وصنَّفوا أعلامه ودلائله، وحقَّقوا مناقب عترته ومآثر أبائه وعشيرته، وجاؤوا بسير الأنبياء، ومقامات الأولياء، وأخبار الشهداء والصديقين، وعبَّروا عن جميع فعل النبي صلى الله عليه وسلم، في سفره وحضره، وظعنه وإقامته، وسائر أحواله، من منام ويقظة، وإشارة وتصريح، وصمت ونطق، ونهوض وقعود، ومأكل ومشرب وملبس ومركب، وما كان سبيله في حال الرضى والسخط، والإنكار والقبول، حتى القَلامة من ظُفره ما كان يصنع بها، والنخامة من فيه أين وجهتها، وما كان يقوله عند كل فعل يحدثه، ويفعله عند كل موقف ومشهد يشهده، تعظيمًا له صلى الله عليه وسلم، ومعرفة بأقدار ما ذكر عنه وأسند إليه؟!"
فمن عرف للإسلام حقه وأوجب للرسول حرمته أكبر أن يحتقر من عظَّم الله شأنه، وأعلى مكانه، وأظهر حجته، وأبان فضيلته، ولم يرتق بطعنه إلى حزب الرسول وأتباع الوحي وأوعية الدين ونقلة الأحكام والقرآن، والذين ذكرهم الله عزَّ وجلَّ في التنزيل، فقال: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} ، فإنك إن أردت التوصل إلى معرفة هذا القرن، لم يذكرهم لك إلا راوٍ للحديث متحقق به، أو داخل في حيز أهله، ومن سوى ذلك، فربك بهم أعلم"."
قلت: والنصر من الله للطائفة علمًا وقتالًا، واستمراريَّةُ فريضة الجهاد باقيَةٌ ما وُجِدتْ مقوِّماتها وشروطها.