وتفاوضنا كيف يكون أجر من يأتي من الأمة أضعاف أجر الصحابة، مع أنهم أسسوا الإسلام، وعضدوا الدين، وأقاموا المنار، وافتتحوا الامصار، وحموا البيضة، ومهدوا الملة؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:
"دعوا لي أصحابي، فلو أنفق أحدكم كل يوم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ..."
فتراجعنا القول فكان الذي تنخل من القول، وتحصل من المعنى لبابا أوضحناه في شرح الحديث الصحيح، الإشارة إليه أن الصحابة كان لهم أعمال كثيرة فيها ما تقدم سرده، وذلك لا يلحقهم فيه أحد، ولا يداني شأوهم فيها بشر، والأعمال سواها من فروع الدين يساويهم فيها في الأجر من أخلص إخلاصهم، وخلصها من شوائب البدع والرياء بعدهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب عظيم هو ابتداء الدين والإسلام، وهو أيضا انتهاؤه، وقد كان قليلا في ابتداء الإسلام، صعب المرام لغلبة الكفار على الحق، وفي آخر الزمان أيضا يعود كذلك بوعد الصادق صلى الله عليه وسلم بفساد الزمان، وظهور الفتن، وغلبة الباطل، واستيلاء التبديل والتغيير على الحق من الخلق، وركوب من يأتي سنن من مضى من أهل الكتاب، كما قال صلى الله عليه وسلم:
"لتركبن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه ..."
وقال صلى الله عليه وسلم:"بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ ..."
قال علماؤنا فلا بد - والله أعلم - بحكم هذا الوعد الصادق أن يرجع الإسلام إلى واحد كما بدأ من واحد، ويضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى إذا قام به قائم مع احتواشه بالمخاوف، وباع نفسه من الله تعالى في الدعاء إليه كان له من الاجر أضعاف ما كان لمن كان متمكنا منه، معانا عليه بكثرة الدعاة إلى الله تعالى، وذلك لقوله:
"لأنكم تجدون على الخير أعوانا وهم لا يجدون إليه أعوانا حتى ينقطع ذلك انقطاعا باتا، لضعف اليقين، وقلة الدين"كما قال صلى الله عليه وسلم: