"الهدف منه - أي هذا الحديث - ليس حمل الناس على الرضا بما نحن فيه ... بل الغاية منه عكس ذلك تمامًا، وهو تحذيرهم من السبب الذي كان العامل على تكالُب الأمم وهجومهم علينا، ألا وهو حب الدنيا وكراهية الموت، فإن هذا الحب والكراهية هو الذي يستلزم الرضا بالذل، والاستكانة إليه، والرغبة عن الجهاد في سبيل الله على اختلاف أنواعه، من الجهاد بالنفس والمال واللسان وغير ذلك، وهذا هو حال غالب المسلمين اليوم مع الأسف الشديد، فالحديث يشير إلى أن الخلاص مما نحن فيه، يكون بنبذ هذا العامل، والأخذ بأسباب النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة، حتى يعودوا كما كان أسلافهم:"يحبون الموت كما يحب أعداؤهم الحياة"، وما أشار إليه هذا الحديث قد صرَّح به حديث آخر، فقال صلى الله عليه وسلم:"إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم"، فتأمل كيف اتفق صريح قوله في هذا الحديث:"لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم"مع ما أشار إليه الحديث الأول من هذا المعنى، الذى دل عليه كتاب الله تعالى أيضًا، وهو قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يغيروا مَا بأنفسهم} ، فثبت أن هدف الحديث إنما هو تحذير المسلمين من الاستمرار في"حب الدنيا وكراهية الموت"، ويا له من هدف عظيم لو أن المسلمين تنبهوا له، وعملوا بمقتضاه، لصاروا سادة الدنيا، ولما رفرفت على أرضهم راية الكفار، ولكن لا بد من هذا الليل أن ينجلي، ليتحقق ما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، من أن الإسلام سيعم الدنيا كلها، فقال عليه الصلاة والسلام:"ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزًّا يعز الله به الإسلام، وذلًّا يذل الله به الكفر"."