قوله: (ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه) أي: طريق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ممن كان طريق منازلهم إلى المسجد متحدة، لعلّ أحدهم يكفيه يومه، فهو رضي الله عنه أقعده عن طلب الرزق التفرّغ لطلب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد رزقه الله ميراث النبي صلى الله عليه وسلم بصبره على الجوع والحاجة، فكان أحفظ الصحابة على الإطلاق، نعم بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين.
قوله: (فمر أبو بكر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني) والظاهر أنهما حملا سؤال أبي هريرة على ظاهره، وهو سؤاله عن آية من القرآن، أو لم يكن عندهما شيء يواسيانه به، وقد تقدّم في تخريج الحديث أن عمر رضي الله عنه قال:"والله لأن أكون أدخلتك أحب إلى من أن يكون لي مثل حمر النعم"وهو في صحيح البخاري.
قوله: (فتبسم حين رآني، وعرف ما في نفسي وما في وجهي) أي: عرف ما في نفس أبي هريرة من حاجته لشيء من الغذاء يتقوى به ليقيم صلبه، وعرف ما في وجهه من تغيّر لونه إلى الاصفرار من شدة الجوع، والمعنى: كأنه صلى الله عليه وسلم عرف ما في نفسه من تغير وجهه، وتبسّم النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه حتى يخفّف عنه بعض الألم مما أصابه من بلاء الجوع وشدته.
قال الحافظ في"الفتح"11/ 285:
"استدل أبو هريرة بتبسمه صلى الله عليه وسلم على أنه عرف ما به لأن التبسم تارة يكون لما يعجب وتارة يكون لإيناس من تبسم إليه ولم تكن تلك الحال معجبة فقوي الحمل على الثاني".
قوله: (يا أبا هر) ترخيم أبا هريرة والترخيم حذف أواخر الكلمة تخفيفا، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة (ياعائش) رواه مسلم (974) .