وكيف لا يكون كذلك وقد روينا عن عمر أن النبي- صلى الله عليه وسلم - أمر بالصدقة فجاء أبو بكر الصديق بجميع ماله فقال: هذا صدقة لله، فكيف يستنكر لمن هذا فعله أن يمكن صاحبه ثم لا يجد السبيل إلى سد جوعته وإرفاقه بما يعينه؟!، وعلى هذه الخليقة كانت خلائق أصحابه، كالذي ذكر عن عثمان أنه جهز جيشًا من ماله حتى لم يفقدوا حبلا ولاقتبًا، وكالذي روى عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حث على الصدقة فجاء بأربعة آلاف دينار صدقة، فمعلوم أن من كانت هذه أخلاقه وأفعاله أنه لا يخطئه أن تأتى عليه التارة من الزمان والحين من الايام مملقًا لا شيء له، إلا أن يثوب له مال، فبان خطأ قول القائل: كيف يجوز أن يرهن النبي - صلى الله عليه وسلم - درعه عند اليهود بوسق شعير، وفي أصحابه من أهل الغنى والسعة من لا يجهل موضعه؟! أم كيف يجوز أن يوصف أنه كان يطوى الأيام ذوات العدد خميصًا وأصحابه يمتهنون أموالهم لمن هو دونه من أصحابه؟! فكيف له إذ كان معلومًا جوده وكرمه عليه السلام وإيثاره ضيفانه القادمين عنده من الأقوات والأموال على نفسه، واحتماله المشقة والمجاعة في ذات الله، ومن كان كذلك هو وأصحابه فغير مستنكر لهم حال ضيق يحتاجون معها إلى الاستسلاف، وإلى طي الأيام على المجاعة والشدة وأكلهم ورق الحبلة، فأما ما روى عنه: (أنه لم يشبع من البر ثلاثة أيام تباعًا حتى قبض) فإن البر كان بالمدينة قليلا، وكان الغالب عليهم الشعير والتمر فغير نكير أن يؤثر قوت أهل بلده ويكره أن يخص نفسه لما لا سبيل للمسلمين إليه من الغذاء، وهذا هو الأشبه بأخلاقه عليه السلام، وما روى عنه أنه خرج من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، فإن ذلك لم يكن منه في كل أحواله لعوز ولا ضيق وكيف ذلك وقد كان الله أفاء عليه قبل وفاته بلاد العرب كلها ونقل إليه الخراج من بعض بلاد العجم كأيله والبحرين وهجر، ولكن كان بعضه لما وصفت من إيثار حقوق الله،