وبعضه كراهية منه الشبع وكثرة الأكل، فإنه كان يكرهه ويؤدب أصحابه به، وروى عن زيد بن وهب، عن عطية بن عامر الجهني قال: (أكره سلمان على طعام يأكله فقال: حسبي، فإني سمعت النبي عليه السلام يقول: إن أكثر الناس شبعًا في الدنيا أطولهم جوعًا في الآخرة) وروى أسد ابن موسى من حديث عون بن أبى جحيفة عن أبيه قال: (أكلت ثريدة بر بلحم سمين، فأتيت النبي عليه السلام وأنا أتجشأ، فقال: اكفف عليك من جشائك أبا جحيفة، فإن أكثر الناس شبعًا في الدنيا أطولهم جوعًا في الآخرة) فما أكل أبو جحيفة بملء بطنه حتى فارق الدنيا، وكان إذا تغدى لا يتعشى، وإذا تعشى لا يتغدى.
وعلى إيثار الجوع وقله الشبع مع وجود السبيل إليه مرة وعدمه أخرى مضى الخيار من الصحابة والتابعين، وروى وهب بن كيسان، عن جابر قال: (لقيني عمر بن الخطاب ومعي لحم اشتريته بدرهم، فقال: ما هذا؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، اشتريته للصبيان والنساء، فقال عمر: لا يشتهى أحدكم شيئًا إلا وقع فيه أو لا يطوى أحدكم بطنه لجاره وابن عمه، أين تذهب عنكم هذه الآية: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} ؟
وقال هشيم عن منصور، عن ابن سيرين:(أن رجلًا قال لابن عمر: اجعل جوارشنا؟ قال: ما هو؟ قال: شيء إذا لضك الطعام فأصبت منه سهل عليك.
قال ابن عمر: ما شبعت منذ أربعة أشهر، وماذاك إلا أكون له واجدًا، ولكنى عهدت قومًا يشبعون مرة ويجوعون مرة).
وقال الزهري: (إن عبد الله بن مطيع قال لصفية: لو ألطفت هذا الشيخ - يعنى ابن عمر - قالت: قد أعياني ألا يأكل إلا ومعه آكل فلو كلمته قال: فكلمته، فقال: الآن تأمرني بالشبع ولم يبق من عمري إلا ظمء حمار، فما شبعت منذ ثماني سنين) .
وقال مجاهد: لو أكلت كل ما أشتهى ما ساويت حشفة.
وقال الفضيل: خصلتان تقسيان القلب: كثرة الأكل والكلام"."