فمثل هؤلاء لابد من ذكرهم والتشريد بهم، لأن ما يعود على المسلمين من ضررهم إذا تركوا، أعظم من الضرر الحاصل بذكرهم والتنفير عنهم إذا كان سبب ترك التعيين الخوف من التفرق والعداوة.
ولا شك أن التفريق بين المسلمين وبين الداعين للبدعة وحدهم - إذا أقيم - عليهم أسهل من التفرق بين المسلمين وبين الداعين ومن شايعهم واتبعهم، وإذا تعارض الضرران يرتكب أخفهما وأسهلهما، وبعض الشر أهون من جميعه، كقطع اليد المتآكلة، إتلافها أسهل من إتلاف النفس.
وهذا شأن الشرع أبدا: يطرح حكم الأخف وقاية من الأثقل.
فإذا فقد الأمران فلا ينبغي أن يذكروا ولا أن يعينوا إن وجدوا، لأن ذلك أول مثير للشر وإلقاء العداوة والبغضاء، ومتى حصل باليد منهم أحد ذاكره برفق، ولم يره أنه خارج من السنة، بل يريه أنه مخالف للدليل الشرعي، وأن الصواب الموافق للسنة كذا وكذا.
فإن فعل ذلك من غير تعصب ولا إظهار غلبة فهو أنجح وأنفع، وبهذه الطريقة دعي الخلق أولا إلى الله تعالى، حتى إذا عاندوا وأشاعوا الخلاف وأظهروا الفرقة قوبلوا بحسب ذلك"."
قلت: وقد كُشف في هذا الزمان حالُ كثير من أهل البدع والأهواء وكُشف سترهم، وفُضح من تلبس بلباس السنة وهي منه براء، وهذا كله من فضل الله على أهل السنة، ?وربك يخلق ما يشاء ويختار ?، إن الله تكفّل بحفظ دينه فهو القائل: ? إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ?، ومن حفظه لدينه وذكره، أن هَيَّأَ لهذه الأمة رجالا يذبون عن دينه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، فهاهم صحابة رسول الله ? ذبوا عن دينه وكتابه ورسوله ? بألسنتهم وأسنتهم، ولم يألوا جهدًا في حماية بيضة هذا الدين، وتبعهم على ذلك التابعون الأخيار ثم تابعوهم إلى عصرنا هذا بل إلى أن تقوم الساعة، فإن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها، فكلما انحرف الكثير من الناس عن جادة الدين - الذي أكمله الله لعباده وأتم عليهم نعمته ورضيه لهم دينا - بعث إليهم علماء أو عالما بصيرا بالإسلام، وداعية رشيدا، يبصر الناس بكتاب الله وسنة رسوله الثابتة، ويجنبهم البدع، ويحذرهم محدثات الأمور، ويردهم عن انحرافهم إلى الصراط المستقيم: كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فسمى ذلك: تجديدا بالنسبة للأمة، لا بالنسبة للدين الذي شرعه الله وأكمله، فإن التغير والضعف والانحراف إنما يطرأ مرة بعد مرة على الأمة، أما الإسلام نفسه فمحفوظ بحفظ كتاب لله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم المبينة له.
روى ابن وضاح في"البدع والنهي عنها" (ص 26) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: