أحدهما: أن يعلم أن الكافر في نفس الأمر من أهل الصلاة لا يكون إلا منافقا فإن الله منذ بعث محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن وهاجر إلى المدينة صار الناس ثلاثة أصناف: مؤمن به، وكافر به مظهر الكفر ومنافق مستخف بالكفر، ولهذا ذكر الله هذه الأصناف الثلاثة في أول سورة البقرة ذكر أربع آيات في نعت المؤمنين، وآيتين في الكفار، وبضع عشر آية في المنافقين، وقد ذكر الله الكفار والمنافقين في غير موضع من القرآن كقوله: {ولا تطع الكافرين والمنافقين} ، وقوله: {إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا} ، وقوله: {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا} ، وعطفهم على الكفار ليميزهم عنهم بإظهار الإسلام وإلا فهم في الباطن شر من الكفار كما قال تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} ، وكما قال: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله} ، وكما قال: {قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين. وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون} .
وإذا كان كذلك فأهل البدع فيهم المنافق الزنديق فهذا كافر ويكثر مثل هذا في الرافضة والجهمية فإن رؤساءهم كانوا منافقين زنادقة، وأول من ابتدع الرفض كان منافقا، وكذلك التجهم فإن أصله زندقة ونفاق، ولهذا كان الزنادقة المنافقون من القرامطة الباطنية المتفلسفة وأمثالهم يميلون إلى الرافضة والجهمية لقربهم منهم.
ومن أهل البدع من يكون فيه إيمان باطنا وظاهرا لكن فيه جهل وظلم
حتى أخطأ ما أخطأ من السنة، فهذا ليس بكافر ولا منافق ثم قد يكون منه عدوان وظلم يكون به فاسقا أو عاصيا، وقد يكون مخطئا متأولا مغفورا له خطؤه، وقد يكون مع ذلك معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه فهذا أحد الأصلين.