ومن ثم، تنطلق هذه النظرية من تصورات أزوالد ديكرو [1] ، كما بينها، بشكل جلي، في نظريته الحجاجية سنة 1973 م. ومن ثم، فهي نظرية لسانية تعنى بالوسائل اللغوية الحجاجية التي تتضمنها اللغات الطبيعية، مع دراسة الأهداف الحجاجية، ورصد تأثيرها التداولي على المستمع. ويعني هذا أن الأقوال اللغوية تحمل، في جوهرها، مؤشرات لسانية ذاتية تدل على طابعها الحجاجي، دون أن يكون ذلك متعلقا بالسياق التداولي الخارجي. وإذا قلنا: المغاربة أفارقة، زيد مغربي، إذًا، زيد أفريقي، فهذا برهان أو قياس منطقي حتمي وضروري. أما إذا قلنا: انخفضت درجة البرودة، إذًا، سيمرض زيد. فهذا حجاج أو استدلال طبيعي غير برهاني، يحمل استنتاجا احتماليا. ويعني هذا أن اللغة الإنسانية لغة حجاجية ومنطقية من داخل بنيتها اللغوية الداخلية. وقد استفاد دوكرو من نظرية أفعال الكلام كما عند سورل وأوستين وغرايس. وأضاف دوكرو فعلين هما: فعل الاقتضاء، وفعل الحجاج. وينضاف إلى هذا، أن الحجاج يتميز عن البرهان أو الاستدلال المنطقي بكونه يتأسس على بنية الأقوال اللغوية وتسلسلها واشتغالها داخل الخطاب.
وإليكم هذه الأمثلة:
("أنت مرهق، إذا، فأنت في حاجة إلى الراحة".
تتضمن هذه الجملة دلالات حجاجية، فهناك الحجة أو الدليل (أنت مرهق) ، والنتيجة (أنت في حاجة إلى الراحة) . و الدليل على الطبيعة الحجاجية لهذه الجملة هو وجود الرابط الحجاجي: (إذًا) . وقد يكون هذا الرابط مضمرا، وتكون النتيجة أيضا مضمرة بدورها كما في هذه الجملة:
("أنت مرهق. أنت في حاجة إلى الراحة".
وهكذا، يتبين لنا أن الحجج اللغوية سياقية، تتحدد حجيتها بالسياق اللغوي، فقد تكون العبارة الواحدة إما حجة وإما نتيجة. ومن جهة ثانية، تكون الحجج اللغوية نسبية، مادامت هناك حجج مضادة محتملة من المستمع. وهنا، يمكن القول: إن هناك حججا قوية، وحججا ضعيفة، وحججا أوهى، وحججا
(1) - ولد اللساني الفرنسي أزوالد دكرو سنة 1930 م. وهو مبرز في الفلسفة، وقد كان مديرا لمعهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية بباريس.