فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 153

للريبة والغفلة، أو النسيان والموت، والرجوع عن الشهادة، أو غيرها من العوارض التي قد تحدث للناس. وعلى هذا قال العلماء بوجوب توثيق الدين في هذا العصر بناء على قول طائفة من الفقهاء أن الأمر بالكتابة يدل على وجوب كتابة الدين، وهو القول الذي نختاره. وقد كان عمر ابن عبد العزيز رضي الله عنه يقضى في المدينة بشاهد ويمين فلما انتقل إلى الشام لم يقبل إلا شاهدين وهو القائل للعبارة المشهورة"تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور"فلما سئل قال: (إنا وجدنا الناس في الشام على غير ما كان عليه الناس في المدينة) . وهو ما أخذت به معظم القوانين المدنية والأحوال الشخصية في الدول العربية والإسلامية وجميع دول العالم، في وجوب توثيق العقود، ومنها عقد الزواج لأهميته وخطورته. ولأنه يتعلق بالأبضاع وبحقوق غير المتعاقدين وهو الولد، فإذا كان القول بوجوب توثيق العقود المالية وهى أقل خطرا من عقد الزواج فالأولى القول بوجوب توثيق الزواج لأن الضرر والفساد والعار إذا وقع تعدى إلى الأسرتين والمجتمع.

ولم يكن المسلمون في بداية الرسالة بحاجة إلى توثيق عقد الزواج بالكتابة، بل كانوا يكتفون بتوثيقه وإعلانه وإظهاره بالشهادة كما دلت السنة على ذلك لأن المجتمع كان محاط بسياج الإيمان والتقوى"الوازع الديني". ولم يكن الصحابة يتزوجون على مؤخر الصداق فلما أصبح الناس يتزوجون على مقدم ومؤخر الصداق، وتطول المدة وينسى، صاروا يكتبون الصداق. وصار ذلك حجة في إثبات الصداق وفى أنها زوجة له. وكان ذلك في العصر الفاطمي، وكان القاضي هو الذي يتولى إبرام وكتابة عقود الزواج، ثم انتقل الأمر إلى ما يسمى بمأذون القاضي، ثم المأذون الشرعي في العصر الحديث. وعلى هذا فإذا كانت الغاية من وجوب توثيق الزواج بالشهادة للتوثق والإظهار والإعلان، كما دلت السنة على ذلك فإن توثيقه بالكتابة يدل على إظهاره وإعلانه وزيادة في الاحتياط لخطورته، ولأن الأصل أي الشهادة أصبحت وسيلة غير مأمونة في الإثبات تخضع لتقدير القاضي، وقد لا يعتد بها نظرا لشيوع الكذب وشهادة الزور، وعوارض الغفلة والنسيان والموت، والرجوع عن الشهادة، والغياب المنقطع لعدم استقرار الناس في هذا العصر، فينتقل من الأصل إلى البدل للقاعدة المشهورة"إذا تعذر الأصل يصار إلى البدل" [1] وهى الكتابة. وعلى هذا قال العلماء بوجوب توثيق عقود الزواج وحمل المسلمين على ذلك لما فيه من المصلحة وحفظ الحقوق ودرء المفاسد والحرص على تماسك المجتمع واستقراره. وقد دعت معظم قوانين الأحول الشخصية في الدول العربية والإسلامية إلى إلزامية تسجيل وتوثيق الزواج لدى السلطات الرسمية للدولة، عن طريق موظف مختص بمقتضى وظيفته بإصدار وثيقة الزواج الرسمية، وفق الشكل الذي يحدده القانون.

(1) القواعد الفقهية على أحمد الندوى ص 387 بلفظ"إذا بطل الأصل يصار إلى البدل"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت