فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 153

الائتمان-قال القفال:"إنه تعالى أباح ترك الكتابة والإشهاد والرهن عند اعتقاد كون المديون آمينا" [1] -"وكان الدين كثير قابل للإغراء [2] . فكم من حقوق ضاعت، وخصومات وقعت، ونفوس أزهقت، ومحاكم أقيمت، وفروج استبيحت، والسبب عدم الكتابة والتوثيق. فإذا انعدمت الأمانة والثقة بين الناس كما كان في زمن السلف الصالح كان عليهم واجب الكتابة والتوثيق، إلا في التجارة الحاضرة لرفع المشقة والحرج عن الناس. وقد كان الصحابة يكتبون ويوثقون معاملاتهم وديونهم، أما في العصر الحاضر فإننا قل أن نجد معاملة أو تصرف أو عقد لم يوثق بين الأفراد والشركات والدول. إن اختلاف العلماء بين القول بالوجوب أو الندب والإرشاد فيه سعة للناس، فإذا كان قول الجمهور بالندب والإرشاد هو القول الراجح فيما مضى، فإن القول بالوجوب يترجح في هذا العصر، وهو ما أخذت به القوانين المدنية، وقوانين الأحوال الشخصية في الدول الإسلامية والعربية، وجميع دول العالم في توثيق العقود بالكتابة، ومنها توثيق عقد الزواج. وقد قال عمر ابن عبد العزيز رضي الله عنه (تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور [3] فالمصلحة تقتضى وجوب التوثيق بالكتابة لحفظ الحقوق وسد أبواب المفاسد التي قد تنتج عن عدم الكتابة والتوثيق. قال ابن جزى في باب النكاح في كتابة الصداق(وليس شرطا وإنما يكتب هو وسائر الوثائق توثيقا للحقوق ورفعا للنزاع وأوجب الظاهرية وجوب كتابة عقود الديون) [4] ."

فالقول بوجوب كتابة الدين وسائر العقود ومنها عقد الزواج قول له حظ من النظر ينبغي حمل الناس عليه في هذا الزمان، لضعف الوازع الديني، وقلت الأمانة وكثرت الخيانة وانعدام الثقة بين الناس. قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله"فمتى ضعف الوازع الديني في زمن، أو قوم أو في أحوال، يظن أن الدافع إلى مخالفة الشرع في مثلها أنوي على أكثر النفوس من الوازع الديني، هنالك يصار إلى الوازع السلطاني فيناط التنفيذ بالوازع السلطاني كما قال عثمان رضي الله عنه يزع الله بالسلطان مالا يزع بالقرآن [5] . من هنا ذهبت القوانين المدنية إلى وجوب توثيق العقود كما ذهبت بعض قوانين الأحوال الشخصية في الدول الإسلامية إلى وجوب توثيق الزواج، من باب المصلحة وسد الذرائع والاحتياط لحفظ الحقوق خشية الإنكار والجحود أو النسيان، ومنعا لوقوع الريبة وتحقيقا للعدالة."

(1) التفسير الكبير مفاتيح الغيب للإمام محمد الرازي فخر الدين ج 7/ص 132

(2) التوثيق والإثبات بالكتابة في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي الدكتور محمد جميل بن مبارك ص 94

(3) مقاصد الشريعة الإسلامية الشيخ محمد الطاهر ابن عاشورص 85

(4) القوانين الفقهية لابن جزى ص 169

(5) مقاصد الشريعة الإسلامية -الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور ص 128

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت