فإن قلت: كيف هذا الخوف وقد علما أنهما رسولا رب العزة إليه؟
فإن قلت: كيف هذا الخوف وقد علما أنهما رسولا رب العزة إليه؟
قلت: جرياً على الخوف الذي هو مجبول في طينة بني آدم كما في «التأويلات النجمية» يشير إلى أن الخوف مركوز في جبلة الإنسان حتى أنه لو بلغ مرتبة النبوة والرسالة فإنه لا يخرج الخوف من جبلته كما قالا: {رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ} يعني أن يقتلنا ولكن الخوف ليس بجهة القتل وإنما نخاف فوات عبوديتك بالقيام لأداء الرسالة والتبليغ كما أمرتنا أو يتمرد بجهله ولا ينقاد لأوامرك ويَسُبُّك انتهى.
قلت: جرياً على الخوف الذي هو مجبول في طينة بني آدم كما في «التأويلات النجمية» يشير إلى أن الخوف مركوز في جبلة الإنسان حتى أنه لو بلغ مرتبة النبوة والرسالة فإنه لا يخرج الخوف من جبلته كما قالا: {رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ} يعني أن يقتلنا ولكن الخوف ليس بجهة القتل وإنما نخاف فوات عبوديتك بالقيام لأداء الرسالة والتبليغ كما أمرتنا أو يتمرد بجهله ولا ينقاد لأوامرك ويَسُبُّك انتهى.
{أَوْ أَن يَطْغَى} أي: يزداد طغياناً إلى أن يقول في شأنك ما لا ينبغي لكمال جراءته وقساوته، وإطلاقه حيث لم يقل (عليك) من حسن الأدب، ولما كان طغيانه في حق الله أعظم من إفراطه في حقهما ختم الكلام به فإن المتمسك بالأعذار يؤخر الأقوى ونحوه ختم الهدهد بقوله: {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ} (النمل: 24) . اهـ (روح البيان) .
{أَوْ أَن يَطْغَى} أي: يزداد طغياناً إلى أن يقول في شأنك ما لا ينبغي لكمال جراءته وقساوته، وإطلاقه حيث لم يقل (عليك) من حسن الأدب، ولما كان طغيانه في حق الله أعظم من إفراطه في حقهما ختم الكلام به فإن المتمسك بالأعذار يؤخر الأقوى ونحوه ختم الهدهد بقوله: {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ} (النمل: 24) . اهـ (روح البيان) .
(لطيفة)
(لطيفة)
قال القشيري:
قال القشيري:
فى الآية دليل على أنّ الخوف الذي تقتضيه جبلة الإنسان غير ملوم صاحبه عليه، حيث قال مثل موسى ومثل هارون عليهما السلام: «إِنَّنا نَخافُ» .
فى الآية دليل على أنّ الخوف الذي تقتضيه جبلة الإنسان غير ملوم صاحبه عليه، حيث قال مثل موسى ومثل هارون عليهما السلام: «إِنَّنا نَخافُ» .
ثم إنّه سبحانه سكّن ما بهما من الخوف بوعد النصرة لهما.
ثم إنّه سبحانه سكّن ما بهما من الخوف بوعد النصرة لهما.
ويقال لم يخافا على نفسيهما شفقة عليهما، ولكن قالا: إننا نخاف أن تحل بنا مكيدة من جهته، فلا يحصل فيما تأمرنا به قيام بأمرك، فكان ذلك الخوف لأجل حقّ الله لا لأجل حظوظ أنفسهما.
ويقال لم يخافا على نفسيهما شفقة عليهما، ولكن قالا: إننا نخاف أن تحل بنا مكيدة من جهته، فلا يحصل فيما تأمرنا به قيام بأمرك، فكان ذلك الخوف لأجل حقّ الله لا لأجل حظوظ أنفسهما.
ويقال لم يخافا من فرعون، ولكن خافا من تسليط الله إياه عليهما، ولكنهما تأدّبا في الخطاب. اهـ (لطائف الإشارات) .
ويقال لم يخافا من فرعون، ولكن خافا من تسليط الله إياه عليهما، ولكنهما تأدّبا في الخطاب. اهـ (لطائف الإشارات) .
قال الفخر:
قال الفخر:
اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: (قَالَا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ)
اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: (قَالَا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ)
فِيهِ أَسْئِلَةٌ:
فِيهِ أَسْئِلَةٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (قَالَا رَبَّنا) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِذَلِكَ مُوسَى وَهَارُونُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَهَارُونُ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا هَذَا الْمَقَالَ فَكَيْفَ ذَلِكَ وَجَوَابُهُ قَدْ تَقَدَّمَ.
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: (قَالَا رَبَّنا) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِذَلِكَ مُوسَى وَهَارُونُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَهَارُونُ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا هَذَا الْمَقَالَ فَكَيْفَ ذَلِكَ وَجَوَابُهُ قَدْ تَقَدَّمَ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) [طه: 25] فَأَجَابَهُ اللَّه تَعَالَى بِقَوْلِهِ: (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى) [طه: 36] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدِ انْشَرَحَ صَدْرُهُ وَتَيَسَّرَ أَمْرُهُ فَكَيْفَ قَالَ بَعْدَهُ: (إِنَّنا نَخافُ) فَإِنَّ حُصُولَ الْخَوْفِ يَمْنَعُ مِنْ حُصُولِ شَرْحِ الصَّدْرِ؟
السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) [طه: 25] فَأَجَابَهُ اللَّه تَعَالَى بِقَوْلِهِ: (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى) [طه: 36] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدِ انْشَرَحَ صَدْرُهُ وَتَيَسَّرَ أَمْرُهُ فَكَيْفَ قَالَ بَعْدَهُ: (إِنَّنا نَخافُ) فَإِنَّ حُصُولَ الْخَوْفِ يَمْنَعُ مِنْ حُصُولِ شَرْحِ الصَّدْرِ؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّ شَرْحَ الصَّدْرِ عِبَارَةٌ عَنْ تَقْوِيَتِهِ عَلَى ضَبْطِ تِلْكَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَحِفْظِ تِلْكَ الشَّرَائِعِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ السَّهْوُ وَالتَّحْرِيفُ وَذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ زَوَالِ الْخَوْفِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ شَرْحَ الصَّدْرِ عِبَارَةٌ عَنْ تَقْوِيَتِهِ عَلَى ضَبْطِ تِلْكَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَحِفْظِ تِلْكَ الشَّرَائِعِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ السَّهْوُ وَالتَّحْرِيفُ وَذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ زَوَالِ الْخَوْفِ.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: أَمَا عَلِمَ مُوسَى وَهَارُونُ وَقَدْ حَمَّلَهُمَا اللَّه تَعَالَى الرِّسَالَةَ أَنَّهُ تَعَالَى يُؤَمِّنُهُمَا مِنَ الْقَتْلِ الَّذِي هُوَ مَقْطَعَةٌ عَنِ الْأَدَاءِ؟
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: أَمَا عَلِمَ مُوسَى وَهَارُونُ وَقَدْ حَمَّلَهُمَا اللَّه تَعَالَى الرِّسَالَةَ أَنَّهُ تَعَالَى يُؤَمِّنُهُمَا مِنَ الْقَتْلِ الَّذِي هُوَ مَقْطَعَةٌ عَنِ الْأَدَاءِ؟
الْجَوَابُ: قَدْ أَمِنَا ذَلِكَ وَإِنْ جَوَّزَا أَنْ يَنَالَهُمَا السُّوءُ مِنْ قَبْلِ تَمَامِ الْأَدَاءِ أَوْ بَعْدِهِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُمَا اسْتَظْهَرَا بِأَنْ سَأَلَا رَبَّهُمَا مَا يَزِيدُ فِي ثَبَاتِ قَلْبِهِمَا عَلَى دُعَائِهِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَنْضَافَ الدَّلِيلُ النَّقْلِيُّ إِلَى الْعَقْلِيِّ زِيَادَةً فِي الطُّمَأْنِينَةِ كَمَا قَالَ: (وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [الْبَقَرَةِ: 260] .
الْجَوَابُ: قَدْ أَمِنَا ذَلِكَ وَإِنْ جَوَّزَا أَنْ يَنَالَهُمَا السُّوءُ مِنْ قَبْلِ تَمَامِ الْأَدَاءِ أَوْ بَعْدِهِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُمَا اسْتَظْهَرَا بِأَنْ سَأَلَا رَبَّهُمَا مَا يَزِيدُ فِي ثَبَاتِ قَلْبِهِمَا عَلَى دُعَائِهِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَنْضَافَ الدَّلِيلُ النَّقْلِيُّ إِلَى الْعَقْلِيِّ زِيَادَةً فِي الطُّمَأْنِينَةِ كَمَا قَالَ: (وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [الْبَقَرَةِ: 260] .
السُّؤَالُ الرَّابِعُ: لَمَّا تَكَرَّرَ الْأَمْرُ مِنَ اللَّه تَعَالَى بِالذَّهَابِ فَعَدَمُ الذَّهَابِ وَالتَّعَلُّلُ بِالْخَوْفِ هَلْ يَدُلُّ عَلَى الْمَعْصِيَةِ؟
السُّؤَالُ الرَّابِعُ: لَمَّا تَكَرَّرَ الْأَمْرُ مِنَ اللَّه تَعَالَى بِالذَّهَابِ فَعَدَمُ الذَّهَابِ وَالتَّعَلُّلُ بِالْخَوْفِ هَلْ يَدُلُّ عَلَى الْمَعْصِيَةِ؟
الْجَوَابُ: لَوِ اقْتَضَى الْأَمْرُ الْفَوْرَ لَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَى الدَّلَائِلِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَكْثَرَ اللَّه تَعَالَى مِنْ أَنْوَاعِ التَّشْرِيفِ وَتَقْوِيَةِ الْقَلْبِ وَإِزَالَةِ الْغَمِّ وَلَكِنْ لَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى الْفَوْرِ فَزَالَ السُّؤَالُ وَهَذَا مِنْ أَقْوَى الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ إِذَا ضَمَمْتَ إِلَيْهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَعْصِيَةَ غَيْرُ جَائِزَةٍ عَلَى الرُّسُلِ. اهـ (مفاتيح الغيب) .
الْجَوَابُ: لَوِ اقْتَضَى الْأَمْرُ الْفَوْرَ لَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَى الدَّلَائِلِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَكْثَرَ اللَّه تَعَالَى مِنْ أَنْوَاعِ التَّشْرِيفِ وَتَقْوِيَةِ الْقَلْبِ وَإِزَالَةِ الْغَمِّ وَلَكِنْ لَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى الْفَوْرِ فَزَالَ السُّؤَالُ وَهَذَا مِنْ أَقْوَى الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ إِذَا ضَمَمْتَ إِلَيْهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَعْصِيَةَ غَيْرُ جَائِزَةٍ عَلَى الرُّسُلِ. اهـ (مفاتيح الغيب) .