وقال ابن عاشور:
وقال ابن عاشور:
وَالْبَالُ: كَلِمَةٌ دَقِيقَةُ الْمَعْنَى، تُطْلَقُ عَلَى الْحَالِ الْمُهِمِّ، وَمَصْدَرُهُ الْبَالَهُ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ، قَالَ تَعَالَى: (كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ) [مُحَمَّد: 2] ، أَيْ حَالَهُمْ.
وَالْبَالُ: كَلِمَةٌ دَقِيقَةُ الْمَعْنَى، تُطْلَقُ عَلَى الْحَالِ الْمُهِمِّ، وَمَصْدَرُهُ الْبَالَهُ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ، قَالَ تَعَالَى: (كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ) [مُحَمَّد: 2] ، أَيْ حَالَهُمْ.
وَفِي الْحَدِيثِ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ ... » إِلَخْ، وَتُطْلَقُ عَلَى الرَّأْيِ يُقَالُ: خَطَرَ كَذَا بِبَالِيَ. وَيَقُولُونَ: مَا أَلْقَى لَهُ بَالًا، وَإِيثَارُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ هُنَا مِنْ دَقِيقِ الْخَصَائِصِ الْبَلَاغِيَّةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ ... » إِلَخْ، وَتُطْلَقُ عَلَى الرَّأْيِ يُقَالُ: خَطَرَ كَذَا بِبَالِيَ. وَيَقُولُونَ: مَا أَلْقَى لَهُ بَالًا، وَإِيثَارُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ هُنَا مِنْ دَقِيقِ الْخَصَائِصِ الْبَلَاغِيَّةِ.
أَرَادَ فِرْعَوْنُ أَنْ يُحَاجَّ مُوسَى بِمَا حَصَلَ لِلْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى مِلَّةِ فِرْعَوْنَ، أَيْ قُرُونِ أَهْلِ مِصْرَ، أَيْ مَا حَالُهُمْ، أَفَتَزْعُمُ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى ضَلَالَةٍ. وَهَذِهِ شَنْشَنَةُ مَنْ لَا يَجِدْ حُجَّةً فَيَعْمِدُ إِلَى التَّشْغِيبِ بِتَخْيِيلِ اسْتِبْعَادِ كَلَامِ خَصْمِهِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا) [يُونُس: 78] .
أَرَادَ فِرْعَوْنُ أَنْ يُحَاجَّ مُوسَى بِمَا حَصَلَ لِلْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى مِلَّةِ فِرْعَوْنَ، أَيْ قُرُونِ أَهْلِ مِصْرَ، أَيْ مَا حَالُهُمْ، أَفَتَزْعُمُ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى ضَلَالَةٍ. وَهَذِهِ شَنْشَنَةُ مَنْ لَا يَجِدْ حُجَّةً فَيَعْمِدُ إِلَى التَّشْغِيبِ بِتَخْيِيلِ اسْتِبْعَادِ كَلَامِ خَصْمِهِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا) [يُونُس: 78] .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّ فِرْعَوْنَ أَرَادَ التَّشْغِيبَ عَلَى مُوسَى حِينَ نَهَضَتْ حُجَّتُهُ بِأَنْ يَنْقُلَهُ إِلَى الْحَدِيثِ عَنْ حَالِ الْقُرُونِ الْأُولَى: هَلْ هُمْ فِي عَذَابٍ بِمُنَاسَبَةِ قَوْلِ مُوسَى: أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) [طه: 48] ، فَإِذَا قَالَ: إِنَّهُمْ فِي عَذَابٍ، ثَارَتْ ثَائِرَةُ أَبْنَائِهِمْ فَصَارُوا أَعْدَاءً لِمُوسَى، وَإِذَا قَالَ: هُمْ فِي سَلَامٍ، نَهَضَتْ حُجَّةُ فِرْعَوْنَ لِأَنَّهُ مُتَابِعٌ لِدِينِهِمْ، وَلِأَنَّ مُوسَى لَمَّا أَعْلَمَهُ بِرَبِّهِ وَكَانَ ذَلِك مشعرا بالخلق الْأَوَّلِ خَطَرَ بِبَالِ فِرْعَوْنَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنِ الِاعْتِقَادِ فِي مَصِيرِ النَّاسِ بَعْدَ الْفَنَاءِ، فَسَأَلَ: مَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى؟ مَا شَأْنُهُمْ وَمَا الْخَبَرُ عَنْهُمْ؟ وَهُوَ سُؤَالُ تَعْجِيزٍ وَتَشْغِيبٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّ فِرْعَوْنَ أَرَادَ التَّشْغِيبَ عَلَى مُوسَى حِينَ نَهَضَتْ حُجَّتُهُ بِأَنْ يَنْقُلَهُ إِلَى الْحَدِيثِ عَنْ حَالِ الْقُرُونِ الْأُولَى: هَلْ هُمْ فِي عَذَابٍ بِمُنَاسَبَةِ قَوْلِ مُوسَى: أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) [طه: 48] ، فَإِذَا قَالَ: إِنَّهُمْ فِي عَذَابٍ، ثَارَتْ ثَائِرَةُ أَبْنَائِهِمْ فَصَارُوا أَعْدَاءً لِمُوسَى، وَإِذَا قَالَ: هُمْ فِي سَلَامٍ، نَهَضَتْ حُجَّةُ فِرْعَوْنَ لِأَنَّهُ مُتَابِعٌ لِدِينِهِمْ، وَلِأَنَّ مُوسَى لَمَّا أَعْلَمَهُ بِرَبِّهِ وَكَانَ ذَلِك مشعرا بالخلق الْأَوَّلِ خَطَرَ بِبَالِ فِرْعَوْنَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنِ الِاعْتِقَادِ فِي مَصِيرِ النَّاسِ بَعْدَ الْفَنَاءِ، فَسَأَلَ: مَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى؟ مَا شَأْنُهُمْ وَمَا الْخَبَرُ عَنْهُمْ؟ وَهُوَ سُؤَالُ تَعْجِيزٍ وَتَشْغِيبٍ.
وَقَوْلُ مُوسَى فِي جَوَابِهِ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ صَالِحٌ لِلِاحْتِمَالَيْنِ، فَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ يَكُونُ مُوسَى صَرَفَهُ عَنِ الْخَوْضِ فِيمَا لَا يُجْدِي فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ الَّذِي هُوَ الْمُتَمَحِّضُ لِدَعْوَةِ الْأَحْيَاءِ لَا الْبَحْث عَن أَحْوَال الْأَمْوَاتِ الَّذِينَ أَفْضَوْا إِلَى عَالَمِ الْجَزَاءِ، وَهَذَا نَظِيرُ
وَقَوْلُ مُوسَى فِي جَوَابِهِ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ صَالِحٌ لِلِاحْتِمَالَيْنِ، فَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ يَكُونُ مُوسَى صَرَفَهُ عَنِ الْخَوْضِ فِيمَا لَا يُجْدِي فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ الَّذِي هُوَ الْمُتَمَحِّضُ لِدَعْوَةِ الْأَحْيَاءِ لَا الْبَحْث عَن أَحْوَال الْأَمْوَاتِ الَّذِينَ أَفْضَوْا إِلَى عَالَمِ الْجَزَاءِ، وَهَذَا نَظِيرُ
قَوْلِ النَّبِيءِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» .
قَوْلِ النَّبِيءِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» .
وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي يَكُونُ مُوسَى قَدْ عَدَلَ عَنْ ذِكْرِ حَالِهِمْ خَيْبَةً لِمُرَادِ فِرْعَوْنَ وَعُدُولًا عَنِ الِاشْتِغَالِ بِغَيْرِ الْغَرَضِ الَّذِي جَاءَ لِأَجْلِهِ.
وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي يَكُونُ مُوسَى قَدْ عَدَلَ عَنْ ذِكْرِ حَالِهِمْ خَيْبَةً لِمُرَادِ فِرْعَوْنَ وَعُدُولًا عَنِ الِاشْتِغَالِ بِغَيْرِ الْغَرَضِ الَّذِي جَاءَ لِأَجْلِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُوسَى تَجَنَّبَ التَّصَدِّيَ لِلْمُجَادَلَةِ وَالْمُنَاقَضَةِ فِي غَيْرِ مَا جَاءَ لِأَجْلِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ بِذَلِكَ. اهـ (التحرير والتنوير) .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُوسَى تَجَنَّبَ التَّصَدِّيَ لِلْمُجَادَلَةِ وَالْمُنَاقَضَةِ فِي غَيْرِ مَا جَاءَ لِأَجْلِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ بِذَلِكَ. اهـ (التحرير والتنوير) .
وقال البقاعي:
وقال البقاعي:
ولما كانت عادة المخلوقين إثبات الأخبار في الكتب، وكان تعالى قد وكل بعباده من ملائكته من يضبط ذلك، قال مخاطباً له بما يعرفون من أحوالهم: {في كتاب} أي اللوح المحفوظ.
ولما كانت عادة المخلوقين إثبات الأخبار في الكتب، وكان تعالى قد وكل بعباده من ملائكته من يضبط ذلك، قال مخاطباً له بما يعرفون من أحوالهم: {في كتاب} أي اللوح المحفوظ.
ولما كان ربما وقع في وهم واهم أن الكتاب لا يكون إلا خوفاً من نسيان الشيء أو الجهل بالتوصل إليه مع ذكر عينه، نفى ذلك بقوله: {لا يضل ربي} أي الذي رباني كما علمت ونجاتي من جميع ما قصدتموه لي من الهلاك ولم يضل عن وجه من وجوهه، ولا نسي وجهاً يدخل منه شيء من خلل {ولا ينسى} أي لا يقع منه نسيان لشيء أصلاً من أخباره ولا لغيرهم.
ولما كان ربما وقع في وهم واهم أن الكتاب لا يكون إلا خوفاً من نسيان الشيء أو الجهل بالتوصل إليه مع ذكر عينه، نفى ذلك بقوله: {لا يضل ربي} أي الذي رباني كما علمت ونجاتي من جميع ما قصدتموه لي من الهلاك ولم يضل عن وجه من وجوهه، ولا نسي وجهاً يدخل منه شيء من خلل {ولا ينسى} أي لا يقع منه نسيان لشيء أصلاً من أخباره ولا لغيرهم.
وفي ذلك إشارة إلى تبكيت اليهود بأن ثبوت النبوة إن كان يتوقف على أن يخبر النبي عن كل ما يسأل عنه لزم أن يتوقفوا في نبوة نبيهم عليه السلام لأنه لم يخبر فرعون عما سأله عنه من أمر القرون. اهـ (نظم الدرر) .
وفي ذلك إشارة إلى تبكيت اليهود بأن ثبوت النبوة إن كان يتوقف على أن يخبر النبي عن كل ما يسأل عنه لزم أن يتوقفوا في نبوة نبيهم عليه السلام لأنه لم يخبر فرعون عما سأله عنه من أمر القرون. اهـ (نظم الدرر) .