والمصنف عليه رحمة الله بين جلالتهم وفضلهم في أنهم لا يرد قولهم ولا يرد حديثهم حينما يخبرون عن الله سبحانه وتعالى، وذلك أنه إما أنه لا يقال من باب الرأي وإما أنهم يروون عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيسندون ويحيلون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:4] . والصحابة عليهم رضوان الله تعالى كالنجوم في السماء يهتدى بها، فقد روى الإمام مسلم عليه رحمة الله في صحيحه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى مع أصحابه المغرب، ثم ذهب إلى داره ثم رجع إلى صلاة العشاء فوجدهم مكانهم، فقال عليه الصلاة والسلام: لا زلتم مكانكم؟ قالوا: نعم ننتظر الصلاة، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء، فقال: النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون) ، وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ينقض أجلة الصحابة وكبراؤهم إلا وقد دبت الفتنة ووقعت الفرقة، وكلما مضت السنون في عصر الصحابة عليهم رضوان الله تعالى كلما زادت الفتنة والفرقة. وذلك يدل على فضل هؤلاء الأخيار، وأنهم إنما فضلوا على غيرهم لا لأشخاصهم ولكن لقلوبهم، وأنهم عاينوا التنزيل وأبصروه، فكانوا أعلم الناس بالله بعد أنبياء الله سبحانه وتعالى، وهم أولى بالاتباع من غيرهم، فلا يكون فعل يفعله الصحابة عليهم رضوان الله تعالى بدعة أبدًا؛ وذلك أنهم خير السلف، ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) ، فالعبرة ليست بالعمل الظاهر ولكن بعمل القلب.