الطائفة الثانية: هم الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبور على فعله، وليس له خيار، وليس له مشيئة، وأن المؤمن والكافر مسيرون وليس لهم اختيار، وعقيدة أهل السنة: أن الله خلق للمؤمن والكافر مشيئة لكنها بعد مشيئة الله، فيرون أن الخلق مسيرون ومخيرون، واستدلوا بعموم النصوص في كلام الله سبحانه وتعالى، كقول الله عز وجل فيما سبق: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] ، قالوا: قضى الله عز وجل بمعنى: قدر ألا تعبدوا إلا إياه، فكل عابد عبد الله فهو مجبور على هذا الفعل، فلا يمكن أن يقع شيء إلا ما قدره الله عز وجل، إذًا: فمن عبد إنما عبد الله سبحانه وتعالى. والجبرية يقولون بالحلول: أن الله حال بكل شيء، فالله عز وجل هو الذي خلق الأصنام وأوجدها، وهو الذي أتى بالعابد ليعبد، وأمره بذلك وقدر عليه، قالوا: هذا هو عبد الله، لأنه عبد شيئًا أمره الله عز وجل به، وهذا ضلال وبدعة، وتقدم الإشارة لبعض حججهم. من احتجاجهم بقوله سبحانه وتعالى: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17] ، واحتجاجهم بقوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة: (قال: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها) ، وقد ضل هؤلاء، ويسمون: بالحلولية والاتحادية، الذين يرون أن الله عز وجل حال في كل شيء واتحد مع مخلوقاته، فهم عباد ومعبودون، ولذلك حاروا في هذا الباب، حتى أنشد بعضهم، فقال: العبد رب والرب عبدفيا ليت شعري من المكلفتاهوا في هذا، فلا يعلمون من المكلف ومن الرب! وهذا بعد عن نصوص الوحي، فالله عز وجل قد أثبت لخلقه مشيئة، بقوله سبحانه وتعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30] ، فالله عز وجل قد جعل للإنسان مشيئة، لكنها بعد مشيئة الله سبحانه وتعالى.