فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 420

هذا وإنها لتعلم أن لها موعدًا ويومًا تنسف فيها نسفًا، وتصير كالعهن من هوله وعظمه؛ فهي مشفقة من هول ذلك الموعد منتظرة له. وكانت أُم الدرداء رضي الله عنها إذا سافرت فصعدت على جبل تقول لِمَن معها: أسَمِعَتْ الجبال ما وعدها ربّها؟ فيُقال: ما أسمعها؟ فتقول: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا) (طه:105 - 107) ، فهذا حال الجبال وهي الحجارة الصلبة، وهذه رقَّتها وخشيتها، وتدكدكها من جلال ربِّها وعظمته، وقد أخبر عنها فاطِرها وباريِها أنه لو أنزل عليها كلامه لخشعت ولتصدّعت من خشية الله. فيا عجبًا من مضغة لحم أقسى من هذه الجبال تسمع آيات الله تُتلى عليها، ويُذكر الرب تبارك وتعالى فلا تلين ولا تخشع ولا تُنيب، فليس بمستنكر على الله عزّ وجلّ ولا يخالف حكمته أن يخلق لها نارًا تُذيبها إذا لم تَلِن بكلامه وذكره وزواجره ومواعظه؛ فمَن لم يَلِن لله في هذه الدار قلبه، ولم ينب إليه ولم يذبه بحبه والبكاء من خشيته، فليتمتّع قليلًا فإن أمامه المليّن الأعظم وسيردّ إلى عالم الغيب والشهادة فيرى ويعلم ...

ثم تأمّل الحكمة الإلهية في إخراج الأقوات والثمار والحبوب والفواكه متلاحقة شيئًا بعد شيء، متتابعة ولم يخلقها كلها جملةً واحدةً، فإنها لو خُلِقَت كذلك على وجه الأرض ولم تكن تنبت على هذه السوق والأغصان لدخل الخلل، وفاتت المصالح التي رُتبت على تلاحقها وتتابعها؛ فإن كل فصل وأوان يقتضي من الفواكه والنبات غير ما يقتضيه الفصل الآخر، فهذا حار وهذا بارد، وهذا معتدل؛ وكلٌّ في فصله موافق للمصلحة لا يليق به غير ما خلق فيه. ثم إنه سبحانه خلق تلك الأقوات مقارنة لمنافع أُخَر من العصف والخشب والورق والنور والسعف والكرب وغيرها من منافع النبات والشجر غير الأقوات؛ كعلف البهائم وأداة الأبنية والسفن والرِّحال والأواني وغيرها ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت