فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 420

فسَلْ الجاحد مَن أعطاها هذا ومن هداها إليه ووضعه فيها؟ فلو اجتمع الأوَّلون والآخرون هل كانت قدرتهم وإرادتهم تصل إلى تربية ثمرة واحدة منها هكذا بإشارة أو صناعة أو حيلة أو مُزاولة؟ وهل ذلك إلاّ من صنع من شهدت له مصنوعاته ودلّت عليه آياته؟ كما قيل:

فواعجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد

ولله في كل تحريكة ... وتسكينة أبدًا شاهد

وفي كل شي له آية ... تدلّ على أنه واحد

ثم تأمّل الحكمة في الحبوب كالبرِّ والشعير ونحوهما؛ كيف يخرج الحب مدرجا في قشور على رؤوسها أمثال الأسنّة، فلا يتمكّن جند الطير من إفسادها والعبث فيها؛ فإنه لو صادف الحبّ بارزًا لا صوان عليه ولا وقاية تَحُولُ دونه لتمكّن منه كل التمكّن، فأفسد وعاب وعاث، وأكبّ عليه أكلًا ما استطاع، وعجز أرباب الزرع عن ردّه. فجعل اللطيف الخبير عليه هذه الوقايات لتصونه فينال الطير منه مقدار قوته، ويبقى أكثره للإنسان؛ فإنه أولى به لأنه هو الذي كدح فيه وشقي به وكان الذي يحتاج إليه أضعاف حاجة الطير ...

ثم تأمّل هذه النخلة - التي هي إحدى آيات الله - تجد فيها من الآيات والعجائب ما يبهرك؛ فإنه لمّا قدَّر أن يكون فيها إناث تحتاج إلى اللقاح جُعِلَت فيها ذكورٌ تلقِّحها بمنزلة الحيوان وإناثه، ولذلك اشتدّ شبهها من بين سائر الأشجار بالإنسان، خصوصًا بالمؤمن كما مثّله النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك من وجوه كثيرة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت