فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 420

وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) (الروم:20 - 23) .

يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - عند هذه الآيات: «نوَّع سبحانه الآيات في هذه السورة، فجعل خلق السماوات والأرض واختلاف لغات الأمم وألوانهم آيات للعالمين كلهم؛ لاشتراكهم في العلم بذلك وظهوره ووضوح دلالته، وجعل خلق الأزواج التي تسكن إليها الرجال وإلقاء المودّة والرحمة بينهم آيات لقوم يتفكّرون؛ فإن سكون الرجل إلى امرأته وما يكون بينهما من المودّة والتعاطف والتراحم أمر باطن مشهود بعين الفكرة والبصيرة، فمتى نظر بهذه العين إلى الحكمة والرحمة والقدرة التي صدر عنها ذلك دلّه فكره على أنه الإله الحقّ المبين الذي أقرَّت الفطر بربوبيته وإلاهيته وحكمته ورحمته، وجعل المنام بالليل والنهار للتصرّف في المعاش وابتغاء فضله آيات لقوم يسمعون؛ وهو سمع الفهم وتدبّر هذه الآيات وارتباطها بما جعلت آية له مما أخبرت به الرّسل من حياة العباد بعد موتهم، وقيامهم من قبورهم، كما أحياهم سبحانه بعد موتهم وأقامهم للتصرّف في معاشهم؛ فهذه الآية إنما ينتفع بها مَن سمع ما جاءت به الرّسل وأصغى إليه واستدلّ بهذه الآية عليه ...

فتبارك الذي جعل كلامه حياة للقلوب، وشفاء لما في الصدور. وبالجملة فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبّر والتفكّر؛ فإنه جامع لجميع منازل السائرين، وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء والإنابة والتوكّل والرضا والتفويض والشكر والصبر وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت