وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه؛ فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبّر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها؛ فإذا قرأه بتفكّر حتى مرّ بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه كرّرها ولو مائة مرة ولو ليلة؛ فقراءة آية بتفكّر وتفهّم خير من قراءة ختمة بغير تدبّر وتفهّم، وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن. وهذه كانت عادة السّلف؛ يردّد أحدهم الآية إلى الصباح» (5) .
ويقول ابن كثير - رحمه الله تعالى - عند هذه الآية: «يقول تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ) الدالة على عظمته وكمال قدرته أنّه خلق أباكم آدم من تراب، (ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) فأصلكم من تراب، ثم من ماء مهين، ثم تَصَوّر فكان علقة، ثم مضغة، ثم صار عظامًا، شكله على شكل الإنسان، ثم كسا الله تلك العظام لحمًا، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو سميع بصير. ثم خرج من بطن أمه صغيرًا ضعيف القوى والحركة، ثم كلما طال عمره تكاملت قواه وحركاته حتى آل به الحال إلى أن صار يبني المدائن والحصون، ويسافر في أقطار الأقاليم، ويركب متن البحور، ويدور أقطار الأرض، ويتكسب ويجمع الأموال، وله فكرة وغور، ودهاء ومكر، ورأي وعلم، واتساع في أمور الدنيا والآخرة كل بحسبه. فسبحان من أقدرهم وسَيّرهم وسخرهم وصرفهم في فنون المعايش والمكاسب، وفاوت بينهم في العلوم والفكرة، والحسن والقبيح، والغني والفقير، والسعادة والشقاوة، ولهذا قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) » (6) .
ويقول سيد قطب - رحمه الله تعالى - عند هذه الآيات: « (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) .. والتراب ميت ساكن؛ ومنه نشأ الإنسان. وفي موضع آخر في القرآن جاء: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ