مخصوص ومنفعة مخصوصة؛ لو فقدت طبقة من تلك الطبقات السبع أو زالت عن هيئتها وموضعها لتعطّلت العين عن الإبصار. ثم أركز سبحانه داخل تلك الطبقات السبع خلقًا عجيبًا وهو إنسان العين - بقدر العدسة - يُبصِر به ما بين المشرق والمغرب والأرض والسماء، وجعله من العين بمنزلة القلب من الأعضاء، فهو ملكها وتلك الطبقات والأجفان والأهداب خَدَم له وحِجاب وحُرّاس فتبارك الله أحسن الخالقين.
فانظر كيف حسّن شكل العينين وهيئتهما ومقدارهما؟ ثم جملهما بالأجفان غطاءً لهما وسترًا، وحفظًا وزينًة، فهما يتلقيان عن العين الأذى والقذا والغبار ويكنّانهما من البرد المؤذي، والحارّ المؤذي، ثم غرس في أطراف تلك الأجفان الأهداب جمالًا وزينًة ولمنافع أُخَر وراء الجمال والزينة. ثم أودعهما ذلك النور الباصِر والضوء الباهر الذي يخرق ما بين السماء والأرض، ثم يخرق السماء مجاوزًا لرؤية ما فوقها من الكواكب. وقد أودع سبحانه هذا السرّ العجيب في هذا المقدار الصغير بحيث تنطبع فيه صورة السماوات مع اتّساع أكنافها وتباعد أقطارها.
وشقّ له السمع، وخلق الأُذُن أحسن خلقة وأبلغها في حصول المقصود منها؛ فجعلها مجوفة كالصدفة لتجمع الصوت فتؤدّيه إلى الصماخ، وليحسّ بدبيب الحيوان فيها، فيبادر إلى إخراجه، وجعل فيها غضونًا وتجاويف واعوجاجات تمسك الهواء والصوت الداخل فتكسر حدّته ثم تؤدّيه إلى الصماخ. ومن حكمة ذلك أن يطول به الطريق على الحيوان فلا يصل إلى الصماخ حتى يستيقظ أو ينتبه لإمساكه. وفيه أيضًا حِكَم غير ذلك. ثم اقتضت حكمة الربّ الخالق سبحانه أن جعل ماء الأُذن مُرًّا في غاية المرارة، فلا يجاوزه الحيوان ولا يقطعه داخلًا إلى باطن الأُذُن بل إذا وصل إليه أعمل الحيلة في رجوعه، وجعل ماء العينين ملحًا ليحفظها؛ فإنها شحمة قابلة للفساد فكانت ملوحة مائها صيانةً لها