فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 420

واحدًا وجعل فيه منفذين حجز بينهما بحاجز يجري مجرى تعدّد العينين والأُذنين في المنفعة وهو واحد فتبارك الله ربّ العالمين وأحسن الخالقين.

وشقّ سبحانه للعبد الفم في أحسن موضع وأليقه به، وأودع فيه من المنافع وآلات الذوق والكلام، وآلات الطحن والقطع ما يُبهِر العقول عجائبه؛ فأودعه اللسان الذي هو أحد آياته الدّالة عليه، وجعله ترجمانًا لملك الأعضاء مبيِّنًا مؤدّيًا عنه، كما جعل الأُذن رسولًا مؤدّيًا مُبلِّغًا إليه؛ فهي رسوله وبريده الذي يؤدّي إليه الأخبار، واللسان بريده ورسوله الذي يؤدّي عنه ما يريد.

واقتضت حكمته سبحانه أن جعل هذا الرسول مَصونًا محفوظًا مستورًا غير بارز مكشوف كالأُذُن والعين والأنف؛ لأن تلك الأعضاء لمّا كانت تؤدّي من الخارج إليها جعلت بارزة ظاهرة، ولمّا كان اللسان مؤدّيًا منه إلى الخارج جعل له سِترًا مصونًا لعدم الفائدة في إبرازه؛ لأنه لا يأخذ من الخارج إلى القلب. وأيضًا فلأنه لمّا كان أشرف الأعضاء بعد القلب، ومنزلته منه منزلة ترجمانه ووزيره ضرب عليه سرادق تستره وتصونه، وجعل في ذلك السرادق كالقلب في الصدر. وأيضًا فإنه من ألطف الأعضاء وألينها وأشدّها رطوبةً، وهو لا يتصرّف إلاّ بواسطة الرطوبة المحيطة به. فلو كان بارزًا صار عُرضةً للحرارة واليبوسة والنشاف المانع له من التصرّف، ولغير ذلك من الحِكَم والفوائد.

ثم زيّن سبحانه الفم بما فيه من الأسنان التي هنّ جمال له وزينة، وبهما قوام العبد وغذاؤه، وجعل بعضها أرحاء للطحن، وبعضها آلة للقطع، فأحكم أُصولها، وحدّد رؤوسها، وبيّض لونها، ورتّب صفوفها متساوية الرؤوس متناسقة الترتيب كأنها الدّر المنظوم بياضًا وصفاءً وحُسْنًا. وأحاط سبحانه على ذلك حائطين، وأودعهما من المنافع والحِكَم ما أودعهما، وهما الشفتان، فحسن لونهما وشكلهما ووضعهما وهيأتهما، وجعلهما غطاءً للفم وطبقًا له،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت